فهرس الكتاب

الصفحة 806 من 1706

وكذلك من أراد أن يصير فقيه النفس فلا طريق له إلا أن يتعاطى أفعال الفقهاء وهو التكرار للفقه حتى تنعطف منه على قلبه صفة الفقه فيصير فقيه النفس وكذلك من أراد أن يصير سخيًا عفيف النفس حليمًا متواضعًا فيلزمه أن يتعاطى أفعال هؤلاء تكلفًا حتى يصير ذلك طبعًا له فلا علاج له إلا ذلك وكما أن طالب فقه النفس لا ييأس من نيل هذه الرتبة بتعطيل ليلة ولا ينالها بتكرار ليلة فكذلك طالب تزكية النفس وتكميلها وتحليتها بالأعمال الحسنة لا ينالها بعبادة يوم ولا يحرم عنها بعصيان يوم وهو معنى قولنا أن الكبيرة الواحدة لا توجب الشقاء المؤبد ولكن العطلة في يوم واحد تدعو إلى مثلها ثم تتداعى قليلًا قليلًا حتى تأنس النفس بالكسل وتهجر التحصيل رأسًا فيفوتها فضيلة الفقه وكذلك صغائر المعاصي يجر بعضها إلى بعض حتى يفوت أصل السعادة بهدم أصل الإيمان عند الخاتمة وكما أن تكرار ليلة لا يحس تأثيره في فقه النفس بل يظهر فقه النفس شيئًا فشيئًا على التدريج مثل نمو البدن وارتفاع القامة فكذلك الطاعة الواحدة لا يحس تأثيرها في تزكية النفس وتطهيرها في الحال ولكن لا ينبغي أن يستهان بقليل الطاعة فإن الجملة الكثيرة منها مؤثرة وإنما اجتمعت الجملة من الآحاد فلكل واحد منها تأثير فما من طاعة إلا ولها أثر وإن خفي فله ثواب لا محالة فإن الثواب بإزاء الأثر وكذلك المعصية وكم من فقيه يستهين بتعطيل يوم وليلة وهكذا على التوالي يسوف نفسه يومًا فيومًا إلى أن يخرج طبعه عن قبول الفقه فكذا من يستهين صغائر المعاصي ويسوف نفسه بالتوبة على التوالي إلى أن يختطفه الموت بغتة أو تتراكم ظلمة الذنوب على قلبه وتتعذر عليه التوبة إذ القليل يدعو إلى الكثير فيصير القلب مقيدًا بسلاسل شهوات لا يمكن تخليصه من مخالبها وهو المعنى بانسداد باب التوبة وهو المراد بقوله تعالى وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا الآية ولذلك قال رضي الله تعالى عنه إن الإيمان ليبدو في القلب نكتة بيضاء كلما ازداد الإيمان ازداد ذلك البياض فإذا استكمل العبد الإيمان أبيض القلب كله وإن النفاق ليبدو في القلب نكتة سوداء كلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد فإذا استكمل النفاق أسود القلب كله فإذا عرفت أَنَّ الْأَخْلَاقَ الْحَسَنَةَ تَارَةً تَكُونُ بِالطَّبْعِ وَالْفِطْرَةِ وَتَارَةً تَكُونُ بِاعْتِيَادِ الْأَفْعَالِ الْجَمِيلَةِ وَتَارَةً بِمُشَاهَدَةِ أَرْبَابِ الْفِعَالِ الْجَمِيلَةِ وَمُصَاحَبَتِهِمْ وَهُمْ قُرَنَاءُ الْخَيْرِ وإخوان الصَّلَاحِ إِذِ الطَّبْعُ يَسْرِقُ مِنَ الطَّبْعِ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ جَمِيعًا فَمَنْ تَظَاهَرَتْ فِي حَقِّهِ الْجِهَاتُ الثلاثة حَتَّى صَارَ ذَا فَضِيلَةٍ طَبْعًا وَاعْتِيَادًا وَتَعَلُّمًا فهو في غَايَةُ الْفَضِيلَةِ وَمَنْ كَانَ رَذْلًا بِالطَّبْعِ وَاتَّفَقَ لَهُ قُرَنَاءُ السُّوءِ فَتَعَلَّمَ مِنْهُمْ وَتَيَسَّرَتْ لَهُ أَسْبَابُ الشَّرِّ حَتَّى اعْتَادَهَا فَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ من اختلفت فيه من هَذِهِ الْجِهَاتُ وَلِكُلِّ دَرَجَةٍ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ بحسب ما تقتضيه صورته وَحَالَتُهُ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون

بَيَانُ تَفْصِيلِ الطَّرِيقِ إِلَى تَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ

قَدْ عَرَفْتَ مِنْ قَبْلُ أَنَّ الِاعْتِدَالَ فِي الْأَخْلَاقِ هُوَ صِحَّةُ النَّفْسِ وَالْمِيلُ عَنِ الِاعْتِدَالِ سَقَمٌ وَمَرَضٌ فِيهَا كَمَا أَنَّ الِاعْتِدَالَ فِي مِزَاجِ الْبَدَنِ هُوَ صِحَّةٌ لَهُ وَالْمَيْلُ عَنِ الِاعْتِدَالِ مَرَضٌ فِيهِ فَلْنَتَّخِذِ الْبَدَنَ مِثَالًا فَنَقُولُ

مِثَالُ النَّفْسِ فِي عِلَاجِهَا بِمَحْوِ الرَّذَائِلِ وَالْأَخْلَاقِ الرَّدِيئَةِ عَنْهَا وَجَلْبِ الْفَضَائِلِ وَالْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ إِلَيْهَا مِثَالُ الْبَدَنِ فِي عِلَاجِهِ بِمَحْوِ الْعِلَلِ عَنْهُ وَكَسْبِ الصِّحَّةِ لَهُ وَجَلْبِهَا إِلَيْهِ وَكَمَا أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَصْلِ الْمِزَاجِ الِاعْتِدَالُ وَإِنَّمَا تَعْتَرِي الْمَعِدَةَ الْمَضَرَّةُ بِعَوَارِضِ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَهْوِيَةِ وَالْأَحْوَالِ فَكَذَلِكَ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ مُعْتَدِلًا صَحِيحَ الْفِطْرَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت