كالبرق الخاطف لا يثبت ثم يعود وقد يتأخر وإن عاد فقد يثبت وقد يكون مختطفًا وإن ثبت قد يطول ثباته وقد لا يطول وقد يتظاهر أمثاله على التلاحق وقد يقتصر على فن واحد ومنازل أولياء الله تعالى فيه لا تحصر كما لا يحصى تفاوت خلقهم وأخلاقهم وقد رجع هذا الطريق إلى تطهير محض من جانبك وتصفية وجلاء ثم استعداد وانتظار فقط
وأما النظار وذوو الاعتبار فلم ينكروا وجود هذا الطريق وإمكانه وإفضائه إلى هذا المقصد على الندور فإنه أكثر أحوال الأنبياء والأولياء ولكن استوعروا هذا الطريق واستبطؤا ثمرته واستبعدوا استجماع شروطه وزعموا أن محو العلائق إلى ذلك الحد كالمتعذر وإن حصل في حال فثباته أبعد منه إذ أدنى وسواس وخاطر يشوش الْقَلْبِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قلب المؤمن أشد تقلبًا من القدر في غليانها [1] أخرجه أحمد والحاكم [2] حديث قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمر [3] وفي أثناء هذه المجاهدة قد يفسد المزاج ويختلط العقل ويمرض البدن وإذا لم تتقدم رياضة النفس وتهذيبها بحقائق العلوم نشبت بالقلب خيالات فاسدة تطمئن النفس إليها مدة طويلة إلى أن يزول وينقضي العمر قبل النجاح فيها فكم من صوفي سلك هذا الطريق ثم بقي في خيال واحد عشرين سنة ولو كان قد أتقن العلم من قبل لانفتح له وجه التباس ذلك الخيال في الحال فالاشتغال بطريق التعلم أوثق وأقرب إلى الغرض وزعموا أن ذلك يضاهي ما لو ترك الإنسان تعلم الفقه وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعلم ذلك وصار فقيهًا بالوحي والإلهام من غير تكرير وتعليق وأنا أيضًا ربما انتهت بي الرياضة والمواظبة إليه ومن ظن ذلك فقد ظلم نفسه وضيع عمره بل هو كمن يترك طريق الكسب والحراثة رجاء العثور على كنز من الكنوز فإن ذلك ممكن ولكنه بعيد جدًا فكذلك هذا وقالوا لا بد أولًا من تحصيل ما حصله العلماء وفهم ما قالوه ثم لا بأس بعد ذلك بالانتظار لما لم ينكشف لسائر العلماء فعساه ينكشف بعد ذلك بالمجاهدة
بيان الفرق بين المقامين بمثال محسوس
اعلم أن عجائب القلب خارجة عن مدركات الحواس لأن القلب أيضًا خارج عن إدراك الحس وما لبس مدركًا بالحواس تضعف الأفهام عن دركه إلا بمثال محسوس ونحن نقرب ذلك إلى الأفهام الضعيفة بمثالين
أحدهما أنه لو فرضنا حوضًا محفورًا في الأرض احتمل أن يساق الماء من فوقه بأنهار تفتح فيه ويحتمل أن يحفر أسفل الحوض ويرفع منه التراب إلى أن يقرب من مستقر الماء الصافي فينفجر الماء من أسفل الحوض ويكون ذلك الماء أصفى وأدوم وقد يكون أغزر وأكثر فذلك القلب مثل الحوض والعلم مثل الماء وتكون الحواس الخمس مثال الأنهار وقد يمكن أن تساق العلوم إلى القلب بواسطة أنهار الحواس والاعتبار بالمشاهدات حتى يمتليء علمًا ويمكن أن تسد هذه الأنهار بالخلوة والعزلة وغض البصر ويعمد إلى عمق القلب بتطهيره ورفع طبقات الحجب عنه حتى تنفجر ينابيع العلم من داخله
فإن قلت فكيف يتفجر العلم من ذات القلب وهو خال عنه فاعلم أن هذا من عجائب أسرارالقلب ولا يسمح بذكره في علم المعاملة بل القدر الذي يمكن ذكره أن حقائق الأشياء مسطورة في اللوح المحفوظ بل في قلوب الملائكة المقربين فكما أن المهندس يصور أبنية الدار في بياض ثم يخرجها إلى الوجود على وفق تلك النسخة فكذلك فاطر
(1) {حديث} قلب المؤمن أشد تقلبًا من القدر في غليانها أخرجه أحمد والحاكم وصححه من حديث المقداد بن الأسود
(2) وقال عليه أفضل الصلاة والسلام قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن
(3) أخرجه مسلم