فهرس الكتاب

الصفحة 753 من 1706

فإن البدن مملكة النفس وعالمها ومستقرها ومدينتها وجوارحها وقواها بمنزلة الصناع والعملة والقوة العقلية المفكرة له كالمشير الناصح والوزير العاقل

والشهوة له كالعبد السوء يجلب الطعام والميرة إلى المدينة والغضب والحمية له كصاحب الشرطة

والعبد الجالب للميرة كذاب مكار خداع خبيث يتمثل بصورة الناصح وتحت نصحه الشر الهائل والسم القاتل وديدنه وعادته منازعة الوزير الناصح في آرائه وتدبيراته حتى لا يخلو من منازعته ومعارضته ساعة كما أن الوالي في مملكته إذا كان مستغنيًا في تدبيراته بوزيره مستشيرًا له ومعرضًا عن إشارة هذا العبد الخبيث مستدلًا بإشارته في أن الصواب في نقيض رأيه أدبه صاحب شرطته وساسه لوزيره وجعله مؤتمرًا له مسلطًا من جهته على هذا العبد الخبيث وأتباعه وأنصاره حتى يكون العبد مسوسًا لا سائسًا ومأمورًا مدبرًا لا أميرًا مدبرًا استقام أمر بلده وانتظم العدل بسببه فكذا النفس متى استعانت بالعقل وأدبت بحمية الغضب وسلطتها على الشهوة واستعانت بإحداهما على الأخرى تارة بأن تقلل مرتبة الغضب وغلوائه بمخالفة الشهوة واستدراجها وتارة بقمع الشهوة وقهرها بتسليط الغضب والحمية عليها وتقبيح مقتضياتها اعتدلت قواها وحسنت أخلاقها ومن عدل عن هذه الطريقة كان كمن قال الله تعالى فيه أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وقال تعالى واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث وقال عز وجل فيمن نهى النفس عن الهوى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عن الهوى فإن الجنة هي المأوى وسيأتي كيفية مجاهدة هذه الجنود وتسليط بعضها على بعض في كتاب رياضة النفس إن شاء الله تعالى

المثال الثاني اعلم أن البدن كالمدينة والعقل أعني المدرك من الإنسان كملك مدبر لها وقواه المدركة من الحواس الظاهرة والباطنة كجنوده وأعوانه وأعضاؤه كرعيته والنفس الأمارة بالسوء التي هي الشهوة والغضب كعدو ينازعه في مملكته ويسعى في إهلاك رعيته فصار بدنه كرباط وثغر ونفسه كمقيم فيه مرابط فإن هو جاهد عدوه وهزمه وقهره على ما يحب حمد أثره وإذا عاد إلى الحضرة كما قال الله تعالى والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وإن ضيع ثغره وأهمل رعيته ذم أثره فانتقم منه عند الله تعالى فيقال له يوم القيامة يا راعي السوء أكلت اللحم وشربت اللبن ولم تأو الضالة ولم تجبر الكسير اليوم أنتقم منك [1] حديث رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر أخرجه البيهقي في الزهد من حديث جابر وقال هذا إسناد في ضعف

المثال الثالث مثل العقل مثل فارس متصيد وشهوته كفرسه وغضبه ككلبه فمتى كان الفارس حاذقًا وفرسه مروضًا وكلبه مؤدبًا معلمًا كان جديرًا بالنجاح ومتى كان هو في نفسه أخرق وكان الفرس جموحًا والكلب عقورًا فلا فرسه ينبعث تحته منقادًا ولا كلبه يسترسل بإشارته مطيعًا فهو خليق بأن يعطب فضلًا عن أن ينال ما طلب وإنما خرق الفارس مثل جهل الإنسان وقلة حكمته وكلال بصيرته وجماح الفرس مثل غلبة الشهوة خصوصًا شهوة البطن والفرج وعقر الكلب مثل غلبة الغضب واستيلائه

نسأل الله حسن التوفيق بلطفه

بيان خاصية قلب الإنسان

اعلم أن جملة ما ذكرناه قد أنعم الله به على سائر الحيوانات سوى الآدمي إذ للحيوان الشهوة والغضب والحواس

(1) حديث يقال يوم القيامة يا راعي السوء أكلت اللحم وشربت اللبن ولم ترد الضالة الخبر لم أجد له أصلا

كما ورد في الخبر

وإلى هذه المجاهدة الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت