فهرس الكتاب

الصفحة 661 من 1706

صفاته وهو حق لا تطيقه البشرية لأنه غير مخلوق فلا تطيقه الصفات المخلوقة

ولو كشف للقلوب ذرة من معناه وهيبته لتصدعت ودهشت وتحيرت

والألحان الطيبة مناسبة للطباع ونسبتها نسبة الحظوظ لا نسبة الحقوق والشعر نسبته نسبة الحظوظ

فإذا علقت الألحان والأصوات بما في الأبيات من الإشارات واللطائف شاكل بعضها بعضاكان أقرب إلى الحظوظ وأخف على القلوب لمشاكلة المخلوق المخلوق

فما دامت البشرية باقية ونحن بصفاتنا وحظوظنا نتنعم بالنغمات الشجية والأصوات الطيبة فانبساطنا لمشاهدة بقاء هذه الحظوظ إلى القصائد أولى من انبساطنا إلى كلام الله تعالى الذي هو صفته وكلامه الذي منه بدأ وإليه يعود

وهذا حاصل المقصود من كلامه واعتذاره

وقد حكى عن أبي الحسن الدراج أنه قال قصدت يوسف بن الحسين الرازي من بغداد للزيارة والسلام عليه فلما دخلت الرى كنت أسأل عنه فكل من سألته عنه قال

أيش تعمل بذلك الزنديق فضيقوا صدري حتى عزمت على الانصراف

ثم قلت في نفسي قد جبت هذا الطريق كله فلا أقل من أن أراه

فلم أزل أسأل عنه حتى دخلت عليه في مسجد وهو قاعد في المحراب وبين يديه رجل وبيده مصحف وهو يقرأ فإذا هو شيخ بهي حسن الوجه واللحية فسلمت عليه فأقبل على وقال من أين أقبلت فقلت من بغداد فقال وما الذي جاء بك فقلت قصدتك للسلام عليك فقال لو أن في بعض هذه البلدان قال لك إنسان أقم عندنا حتى نشتري لك دارًا أو جارية أكان يقعدك ذلك عن المجيء فقلت ما امتحنني الله بشيء من ذلك ولو امتحنني ما كنت أدري كيف أكون ثم قال لي أتحسن أن تقول شيئًا فقلت نعم فقال هات فأنشأت أقول

رأيتك تبني دائمًا في قطيعتي ... ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني

كأني بكم والليت أفضل قولكم ... ألا ليتنا كنا إذ الليت لا يغني

قال فأطبق المصحف ولم يزل يبكي حتى ابتلت لحيته وابتل ثوبه حتى رحمته من كثرة بكائه ثم قال يا بني تلوم أهل الري يقولون يوسف زنديق هذا أنا من صلاة الغداة أقرأ في المصحف لم تقطر من عيني قطرة وقد قامت القيامة علي لهذين البيتين

فإذًا القلوب وإن كانت محترقة في حب الله تعالى فإن البيت الغريب يهيج منها ما لا تهيج تلاوة القرآن وذلك لوزن الشعر ومشاكلته للطباع ولكونه مشاكلًا للطبع اقتدر البشر على نظم الشعر وأما القرآن فنظمه خارج عن أساليب الكلام ومنهاجه وهو لذلك معجز لا يدخل في قوة البشر لعدم مشاكلته لطبعه

وروي أن إسرافيل أستاذ ذي النون المصري دخل عليه رجل فرآه وهو ينكت في الأرض بإصبعه ويترنم ببيت فقال هل تحسن أن تترنم بشيء فقال لا قال فأنت بلا قلب إشارة إلى أن من له قلب وعرف طباعه علم أنه تحركه الأبيات والنغمات تحريكًا لا يصادف في غيرها فيتكلف طريق التحريك إما بصوت نفسه أو بغيره وقد ذكرنا حكم المقام الأول في فهم المسموع وتنزيله وحكم المقام الثاني في الوجد الذي يصادف في القلب فلنذكر الآن أثر الوجد أعني ما يترشح منه إلى الظاهر من صعقة وبكاء وحركة وتمزيق ثوب وغيره فنقول

المقام الثالث من السماع

نذكر فيه آداب السماع ظاهرًا وباطنًا وما يحمد من آثار الوجد وما يذم

فأما الآداب فهي خمس جمل

الأول مراعاة الزمان والمكان والإخوان

قال الجنيد السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء وإلا فلا تسمع الزمان والمكان والإخوان

ومعناه أن الاشتغال به في وقت حضور طعام أو خصام أو صلاة أو صارف من الصوارف مع اضطراب القلب لا فائدة فيه فهذا معنى مراعاة الزمان فيراعي حالة فراغ القلب له

وأما المكان فقد يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت