فهرس الكتاب

الصفحة 1533 من 1706

صرف القلب إلى الشيء وميله إليه وتوجهه نحوه إلا باكتساب أسبابه وذلك مما قدم يقدر عليه وقد لايقدر عليه

وإنما تنبعث النفس إلى الفعل إجابة للغرض الباعث الموافق للنفس الملائم لها وما لم يعتقد الإنسان أن غرضه منوط بفعل من الأفعال فلا يتوجه نحوه قصده

وذلك مما لا يقدر على اعتقاده في كل حين وإذا اعتقد فإنما يتوجه القلب إذا كان فارغًا غير مصروف عنه بغرض شاغل أقوى منه وذلك لا يمكن في كل وقت والدواعي والصوارف لها أسباب كثيرة بها تجتمع ويختلف ذلك بالأشخاص وبالأحوال وبالأعمال

فإذا غلبت شهوة النكاح مثلًا ولم يعتقد غرضًا صحيحًا في الولد دينًا ولا دنيا لا يمكنه أن يواقع على نية الولد بل لا يمكن إلا على نية قضاء الشهوة إذ النية هي إجابة الباعث ولا باعث إلا الشهوة فكيف ينوي الولد وإذا لم يغلب على قلبه أن إقامة سنة النكاح [1] اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعظم فضلها لا يمكن أن ينوى بالنكاح إتباع السنة إلا أن يقول ذلك بلسانه وقلبه وهو حديث محض ليس بنية نعم طريق اكتساب هذه النية مثلًا أن يقوي أولًا إيمانه بالشرع ويقوي إيمانه بعظم ثواب من سعى في تكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ويدفع عن نفسه جميع المنفرات عن الولد من ثقل المؤنة وطول التعب وغيره فإذا فعل ذلك ربما انبعث من قلبه رغبة إلى تحصيل الولد للثواب فتحركه تلك الرغبة وتتحرك أعضاؤه لمباشرة العقد فإذا انتهضت القدرة المحركة للسان بقبول العقد طاعة لهذا الباعث الغالب على القلب كان ناويًا فإن لم يكن كذلك فما يقدره في نفسه ويردده في قلبه من قصد الولد وسواس وهذيان

ولهذا امتنع جماعة من السلف من جملة من الطاعات إذ لم تحضرهم النية وكانوا يقولون ليس تحضرنا فيه نية حتى إن ابن سيرين لم يصل على جنازة الحسن البصري وقال ليس تحضرني نية

ونادى بعضهم امرأته وكان يسرح شعره أن هات المدري فقالت أجيء بالمرآة فسكت ساعة ثم قال نعم فقيل له في ذلك فقال كان لي في المدري نية ولم تحضرني في المرآة نية فتوقفت حتى هيأها الله تعالى

ومات حماد بن سليمان وكان أحد علماء أهل الكوفة فقيل للثوري ألا تشهد جنازته فقال لو كان لي نية لفعلت وكان أحدهم إذا سئل عملًا من أعمال البر يقول إن رزقني الله تعالى نية فعلت

وكان طاوس لا يحدث إلا بنية وكان يسئل أن يحدث فلا يحدث ولا يسئل فيبتدئ فقيل له في ذلك قال

أفتحبون أن أحدث بغير نية إذا حضرتني نية فعلت

وحكي أن داود بن المحبر لما صنف كتاب العقل جاءه أحمد بن حنبل فطلبه منه فنظر فيه أحمد صفحًا ورده فقال مالك قال فيه أسانيد ضعاف فقال له داود أنا لم أخرجه على الأسانيد فانظر فيه بعين الخبر إنما نظرت فيه بعين العمل فانتفعت قال أحمد فرده علي حتى أنظر فيه بالعين التي نظرت فأخذه ومكث عنده طويلًا ثم قال جزاك الله خيرًا فقد انتفعت به

وقيل لطاوس ادع لنا فقال حتى أجد له نية

وقال بعضهم أنا في طلب نية لعيادة رجل منذ شهر فما صحت لي بعد

وقال عيسى بن كثير مشيت مع ميمون بن مهران فلما انتهى إلى باب داره انصرفت فقال ابنه ألا تعرض عليه العشاء قال ليس من نيتي

وهذا لأن النية تتبع النظر فإذا تغير النظر تغيرت النية وكانوا لا يرون أن يعملوا عملًا إلا بنية لعلمهم بأن النية روح العمل وأن العمل بغير نية صادقة رياء وتكلف وهو سبب مقت لا سبب قرب وعلموا أن النية ليست هي قول القائل بلسانه نويت بل هو انبعاث القلب يجري مجرى الفتوح من الله تعالى فقد تتيسر في بعض

(1) حديث ان النكاح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدم في آداب النكاح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت