فهرس الكتاب

الصفحة 1469 من 1706

وسعة معارفهم وهم درجات عند الله ولا يدخل في الحصر تفاوت درجاتهم فقد ظهر أن لذة الرياسة وهي باطنة أقوى في ذوي الكمال من لذات الحواس كلها وأن هذه اللذة لا تكون لبهيمة ولا لصبي ولا لمعتوه وأن لذة المحسوسات والشهوات تكون لذوي الكمال مع لذة الرياسة ولكن يؤثرون الرياسة فأما معنى كون معرفة الله وصفاته وأفعاله وملكوت سمواته وأسرار ملكه أعظم لذة من الرياسة فهذا يختص بمعرفته من نال رتبة المعرفة وذاقها ولا يمكن إثبات ذلك عند من لا قلب له لأن القلب معدن هذه القوة كما أنه لا يمكن إثبات رجحان لذة الوقاع على لذة اللعب بالصولجان عند الصبيان ولا رجحانه على لذة شم البنفسج عند العنين لأنه فقد الصفة التي بها تدرك هذه اللذة ولكن من سلم من آفة العنة وسلم حاسة شمه أدرك التفاوت بين اللذتين وعند هذا لا يبقى إلا أن يقال من ذاق عرف

ولعمري طلاب العلوم وإن لم يشتغلوا بطلب معرفة الأمور الإلهية فقد استنشقوا رائحة هذه اللذة عند انكشاف المشكلات وانحلال الشبهات التي قوى حرصهم على طلبها فإنها أيضًا معارف وعلوم وإن كانت معلوماتها غير شريفة شرف المعلومات الإلهية فأما من طال فكره في معرفة الله سبحانه وقد انكشف له من أسرار ملك الله ولو الشئ اليسير فإنه يصادف في قلبه عند حصول الكشف من الفرح ما يكاد يطير به ويتعجب من نفسه في ثباته واحتماله لقوة فرحه وسروره وهذا مما لا يدرك إلا بالذوق والحكاية فيه قليلة الجدوى

فهذا القدر ينبهك على أن معرفة الله سبحانه ألذ الأشياء وأنه لا لذة فوقها

ولهذا قال أبو سليمان الداراني إن لله عبادًا ليس يشغلهم عن الله خوف النار ولا رجاء الجنة فكيف تشغلهم الدنيا عن الله ولذلك قال بعض إخوان معروق الكرخي له أخبرني يا أبا محفوظ أي شئ هاجك إلى العبادة والانقطاع عن الخلق فسكت فقال ذكر الموت فقال وأي شئ الموت فقال ذكر القبر والبرزخ فقال وأى شئ القبر فقال خوف النار ورجاء الجنة فقال وأي شئ هذا إن ملكًا هذا كله بيده إن أحببته أنساك جميع ذلك وإن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا

وفي أخبار عيسى عليه السلام إذا رأيت الفتى مشغوفًا بطلب الرب تعالى فقد ألهاه ذلك عما سواه

ورأى بعض الشيوخ بشر بن الحارث في النوم فقال ما فعل أبو نصر التمار وعبد الوهاب الوراق فقال تركتهما الساعة بين يدي الله تعالى يأكلان ويشربان قلت فأنت قال علم الله قلة رغبتي في الأكل والشرب فأعطاني النظر إليه

وعن علي بن الموفق قال رأيت في النوم كأني أدخلت الجنة فرأيت رجلًا قاعدًا على مائدة وملكان عن يمينه وشماله يلقمانه من جميع الطيبات وهو يأكل ورأيت رجلًا قائمًا على باب الجنة يتصفح وجوه الناس فيدخل بعضًا ويرد بعضًا قال ثم جاوزتهما إلى حديقة القدس فرأيت في سرادق العرش رجلًا قد شخص ببصره ينظر إلى الله تعالى لا يطرف فقلت لرضوان من هذا قال معروف الكرخي عبد الله لا خوفًا من ناره ولا شوقًا إلى جنته بل حبًا له فأباحه النظر إليه إلى يوم القيامة

وذكر أن الآخرين بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل ولذلك قال أبو سليمان من كان اليوم مشغولًا بنفسه فهو غدًا مشغول بنفسه ومن كان اليوم مشغولًا بربه فهو عذا مشغول بربه

وقال الثوري لرابعة ما حقيقة إيمانك قالت ما عبدته خوفًا من ناره ولا حبًا لجنته فأكون كالأجير السوء بل عبدته حبًا له وشوقًا إليه وقالت في معنى المحبة نظمًا

أحبك حبين حب الهوى ... وحبًا لأنك أهل لذاكا

فأما الذي هو حب الهوى ... فشغلي بذكرك عمن سواكا

وأما الذي أنت أهل له ... فكشفك لي الحجب حتى أراكا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت