فهرس الكتاب

الصفحة 1401 من 1706

اللهم إني أسألك إيمانًا يباشر قلبي

وقال أبو سليمان من شغل بنفسه شغل عن الناس وهذا مقام العاملين ومن شغل بربه شغل عن نفسه وهذا مقام العارفين

والزاهد لا بد وأن يكون في أحد هذين المقامين ومقامه الأول أن يشغل نفسه بنفسه وعند ذلك يستوي عنده المدح والذم والوجود والعدم ولا يستدل بإمساكه قليلًا من المال على فقد زهده أصلًا

قال ابن أبي الحواري قلت لأبي سليمان أكان داود الطائي زاهدًا قال نعم قلت قد بلغني أنه ورث عن أبيه عشرين دينارًا فأنفقها في عشرين سنة فكيف كان زاهدًا وهو يمسك الدنانير فقال أردت منه أن يبلغ حقيقة الزهد وأراد بالحقيقة الغاية فإن الزهد ليس له غاية لكثرة صفات النفس

ولا يتم الزهد إلا بالزهد في جميعها فكل من ترك من الدنيا شيئًا مع القدرة عليه خوفًا على قلبه وعلى دينه فله مدخل في الزهد بقدر ما تركه وآخره أن يترك كل ما سوى الله حتى لا يتوسد حجرًا كما فعله المسيح عليه السلام فنسأل الله تعالى أن يرزقنا من مباديه نصيبًا وإن قل فإن أمثالنا لا يستجرىء على الطمع في غاياته وإن كان قطع الرجاء عن فضل الله غير مأذون فيه وإذا لاحظنا عجائب نعم الله تعالى علينا علمنا أن الله تعالى لا يتعاظمه شيء فلا بعد في أن نعظم السؤال اعتمادًا على الجود المجاوز لكل كمال

فإذن علامة الزهد استواء الفقر والغنى والعز والذل والمدح والذم وذلك لغلبة الأنس بالله

ويتفرع عن هذه العلامات علامات أخرى لا محالة مثل أن يترك الدنيا ولا يبالي من أخذها

وقيل علامته أن يترك الدنيا كما هي فلا يقول أبني رباطًا أو أعمر مسجدًا

وقال يحيى بن معاذ علامة الزهد السخاء بالموجود

وقال ابن خفيف علامته وجود الراحة في الخروج من الملك وقال أيضًا الزهد هو عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف

وقال أبو سليمان الصوف علم من أعلام الزهد فلا ينبغي أن يلبس صوفًا بثلاثة دراهم وفي قلبه رغبة خمسة دراهم

وقال أحمد بن حنبل وسفيان رحمهما الله علامة الزهد قصر الأمل وقال سري لا يطيب عيش الزاهد إذا اشتغل عن نفسه ولا يطيب عيش العارف إذا اشتغل بنفسه

وقال النصراباذي الزاهد غريب في الدنيا والعارف غريب في الآخرة

وقال يحيى بن معاذ علامة الزهد ثلاث عمل بلا علاقة وقول بلا طمع وعز بلا رياسة وقال أيضًا الزاهد لله يسعطك الخل والخردل والعارف يشمك المسك والعنبر

وقال له رجل متى أدخل حانوت التوكل وألبس رداء الزهد وأقعد مع الزاهدين فقال إذا صرت من رياضتك لنفسك في السر إلى حد لو قطع الله عنك الرزق ثلاثة أيام لم تضعف في نفسك فأما ما لم تبلغ هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل ثم لا آمن عليك أن تفتضح وقال أيضًا الدنيا كالعروس ومن يطلبها ما شطتها والزاهد فيها يسخم وجهها وينتف شعرها ويخرق ثوبها والعارف يشتغل بالله تعالى ولا يلتفت إليها

وقال السري مارست كل شيء من أمر الزهد فنلت منه ما أريد إلا الزهد في الناس فإني لم أبلغه ولم أطقه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت