فهرس الكتاب

الصفحة 1399 من 1706

نافع وما بينهما درجات متشابهة فما يقرب من الزيادة وإن لم يكن سمًا قاتلًا فهو مضر وما يقرب من الضرورة فهو وإن لم يكن دواء نافعًا لكنه قليل الضرر والسم محظور شربه والدواء فرض تناوله وما بينهما مشتبه أمره فمن احتاط فإنما يحتاط لنفسه ومن تساهل فإنما يتساهل على نفسه ومن استبرأ لدينه وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ورد نفسه إلى مضيق الضرورة فهو الآخذ بالحزم وهو من الفرق الناجية لا محالة

والمقتصر على قدر الضرورة والمهم لا يجوز أن ينسب إلى الدنيا بل ذلك القدر من الدنيا هو عين الدين لأنه شرط الدين والشرط من جملة المشروط

ويدل عليه ما روي أن إبراهيم الخليل عليه السلام أصابته حاجة فذهب إلى صديق له يستقرضه شيئًا فلم يقرضه فرجع مهموما فأوحى الله تعالى إليه لو سألت خليلك لأعطاك فقال يا رب عرفت مقتك للدنيا فخفت أن أسألك منها شيئًا فأوحى الله تعالى إليه ليس الحاجة من الدنيا فإذن قدر الحاجة من الدين وما وراء ذلك وبال في الآخرة وهو في الدنيا أيضًا كذلك يعرفه من يخبر أحوال الأغنياء وما عليهم من المحنة في كسب المال وجمعه وحفظه واحتمال الذل فيه وغاية سعادته به أن يسلم لورثته فيأكلون وربما يكونون أعداء له وقد يستعينون به على المعصية فيكون هو معينًا لهم عليها ولذلك شبه جامع الدنيا ومتبع الشهوات بدود القز لا يزال ينسج على نفسه حيًا ثم يروم الخروج فلا يجد مخلصًا فيموت ويهلك بسبب عمله الذي عمله بنفسه فكذلك كل من اتبع شهوات الدنيا فإنما يحكم على قلبه بسلاسل تقيده بما يشتهيه حتى تتظاهر عليه السلاسل فيقيده المال والجاه والأهل والولد وشماتة الأعداء ومراءاة الأصدقاء وسائر حظوظ الدنيا فلو خطر له أنه قد أخطأ فيه فقصد الخروج من الدنيا لم يقدر عليه ورأى قلبه مقيدًا بسلاسل وأغلال لا يقدر على قطعها ولو ترك محبوبًا من محابه باختياره كاد أن يكون قاتلًا لنفسه وساعيًا في هلاكه إلى أن يفرق ملك الموت بينه وبين جميعها دفعة واحدة

فتبقى السلاسل في قلبه معلقة بالدنيا التي فاتته وخلفها فهي تجاذبه إلى الدنيا ومخالب ملك الموت قد علقت بعروق قلبه تجذبه إلى الآخرة فيكون أهون أحواله عند الموت أن يكون كشخص ينشر بالمنشار ويفصل أحد جانبيه عن الآخر بالمجاذبة من الجانبين والذي ينشر بالمنشار إنما ينزل المؤلم ببدنه ويؤلم قلبه بذلك بطرق السراية من حيث أثره فما ظنك بألم يتمكن أولًا من صميم القلب مخصوصًا به لا بطريق السراية إليه من غيره فهذا أول عذاب يلقاه قبل ما يراه من حسرة فوت النزول في أعلى عليين وجوار رب العالمين فبالنزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى وعند الحجاب تتسلط عليه نار جهنم إذ النار غير مسلطة إلا على محجوب

قال الله تعلى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه فنسأل الله تعالى أن يقرر في أسماعنا ما نفث في روع رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قيل له أحبب من أحببت فإنك مفارقه [1] وفي معنى ما ذكرناه من المثال قول الشاعر

كدود كدود القز ينسج دائمًا ... ويهلك غمًا وسط ما هو ناسجه

ولما انكشف لأولياء الله تعالى أن العبد مهلك نفسه بأعماله واتباعه هوى نفسه إهلاك دود القز نفسه رفضوا الدنيا بالكلية حتى قال الحسن رأيت سبعين بدريًا كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم الله عليكم

وفي لفظ آخر كانوا بالبلاء أشد فرحا منكم بالغصب والرخاء لو رأيتموهم قلتم مجانين ولو رأوا خياركم قالوا

(1) حديث نفث في روعه أحبب من أحببت فإنك مفارقه تقدم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت