فهرس الكتاب

الصفحة 1371 من 1706

مهمة أو حاجة خفيفة أو مستغنى عنه فهذه أربعة أحوال

أما المضطر إليه فهو سؤال الْجَائِعِ عِنْدَ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ مَوْتًا أَوْ مَرَضًا وَسُؤَالُ الْعَارِي وَبَدَنُهُ مَكْشُوفٌ لَيْسَ مَعَهُ ما يواريه وهو مباح مهما وجدت بقية الشروط في المسئول بكونه مباحا والمسئول منه بكونه راضيًا في الباطن وفي السائل بكونه عَاجِزًا عَنِ الْكَسْبِ فَإِنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْكَسْبِ وهو بطال لَهُ السُّؤَالُ إِلَّا إِذَا اسْتَغْرَقَ طَلَبُ الْعِلْمِ أوقاته وكل من له خط فهو قادر على الكسب بالوراقة

وأما المستغني فهو الذي يطلب شيئًا وعنده مثله وأمثاله فسؤاله حرام قطعًا وهذان طرفان واضحان

وَأَمَّا الْمُحْتَاجُ حَاجَةً مُهِمَّةً فَكَالْمَرِيضِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلى دواء ليس يظهر خوفه لو لم يستعمله ولكن لا يخلو عن خوف وَكَمَنَ لَهُ جُبَّةٌ لَا قَمِيصَ تَحْتَهَا فِي الشتاء وهو يتأذى بالبرد تأذيًا لا ينتهي إلى حد الضرورة وكذلك من يسأل لأجل الكراء وهو قادر على المشي بمشقة فهذا أيضًا ينبغي أن تسترسل عليه الإباحة لأنها أيضًا حاجة محققة ولكن الصبر عنه أولى وهو بالسؤال تارك للأولى ولا يسمى سؤاله مكروهًا مهما صدق في السؤال وقال ليس تحت جبتي قميص والبرد يؤذيني أذىً أطيقه ولكن يشق علي فإذا صدق فصدقه يكون كفارة لسؤاله إن شاء الله تعالى

وأما الحاجة الخفيفة فمثل سؤال قميصًا ليلبسه فوق ثيابه عند خروجه ليستر الخروق من ثيابه عن أعين الناس وكمن يسأل لأجل الأدم وهو واجد للخبز وكمن يسأل الكراء لفرس في الطريق وهو واجد كراء الحمار أو يسأل كراء المحمل وهو قادر على الراحلة فهذا ونحوه إن كان فيه تلبيس حال بإظهار حاجة غير هذه فهو حرام وإن لم يكن وكان فيه شيء من المحذورات الثلاثة من الشكوى والذل وإيذاء المسؤل فهو حرام لأن مثل هذه الحاجة لا تصلح لأن تباح بها هذه المحذورات وإن لم يكن فيها شيء من ذلك فهو مباح مع الكراهة

فإن قلت فكيف يمكن إخلاء السؤال عن هذه المحذورات فاعلم أن الشكوى تندفع بأن يظهر الشكر لله والاستغناء عن الخلق ولا يسأل سؤال محتاج ولكن يقول أنا مستغن بما أملكه ولكن تطالبني رعونة النفس بثوب فوق ثيابي وهو فضلة عن الحاجة وفضول من النفس فيخرج به عن حد الشكوى وأما الذل فبأن يسأل أباه أو قريبه أو صديقه الذي يعلم أنه لا ينقصه ذلك في عينه ولا يزدريه بسبب سؤاله أو الرجل السخي الذي قد أعد ماله لمثل هذه المكارم فيفرح بوجود مثله ويتقلد منه منة بقبوله فيسقط عنه الذل بذلك فإن الذل لازم للمنة لا محالة

وأما الإيذاء فسبيل الخلاص عنه أن لا يعين شخصًا بالسؤال بعينه بل يلقي الكلام عرضًا بحيث لا يقدم على البذل إلا متبرع بصدق الرغبة وإن كان في القوم شخص مرموق لو لم يبذل لكان يلام فهذا إيذاء فإنه ربما يبذل كرها خوفًا من الملامة ويكون الأحب إليه في الباطن الخلاص لو قدر عليه من غير الملامة

وأما إذا كان يسأل شخصًا معينًا فينبغي أن لا يصرح بل يعرض تعريضًا يبقى له سبيلًا إلى التغافل إن أراد فإذا لم يتغافل مع القدرة عليه فذلك لرغبته وأنه غير متأذٍ به وينبغي أن يسأل من لا يستحيا منه لو رده أو تغافل عنه فإن الحياء من السائل يؤذي كما أن الرياء مع غير السائل يؤذي

فإن قلت فإذا أخذ مع العلم بأن باعث المعطي هو الحياء منه أو من الحاضرين ولولاه لما ابتدأه به فهل هو حلال أو شبهة فأقول ذلك حرام محض لا خلاف فيه بين الأمة وحكمه حكم أخذ مال الغير بالضرب والمصادرة إذ لا فرق بين أن يضرب ظاهر جلده بسياط الخشب أو يضرب باطن قلبه بسوط الحياء وخوف الملام وضرب الباطن أشد نكاية في قلوب العقلاء ولا يجوز أن يقال هو في الظاهر قد رضي به وقد قال صلى الله عليه وسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت