فهرس الكتاب

الصفحة 1112 من 1706

فإن قال العابد ذلك لعالم عامل بعلمه وهذا عالم فاجر فيقال له أما عرفت أن الحسنات يذهبن السيئات وكما أن العلم يمكن أن يكون حجة على العالم فكذلك يمكن أن يكون وسيلة له وكفارة لذنوبه وكل واحد منهما ممكن وقد وردت الأخبار بما يشهد لذلك وإذا كان هذا الأمر غائبًا عنه لم يجز له أن يحتقر عالمًا بل يجب عليه التواضع له

فإن قلت فإن صح هذا فينبغي أن يكون للعالم أن يرى نفسه فوق العابد لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي فاعلم أن ذلك كان ممكنًا لو علم العالم عاقبة أمره وخاتمة الأمر مشكوك فيها فيحتمل أن يموت بحيث يكون حاله عند الله أشد من حال الجاهل الفاسق لذنب واحد كان يحسبه هينًا وهو عند الله عظيم وقد مقته به وإذا كان هذا ممكنًا كان على نفسه خائفًا فإذا كان كل واحد من العابد والعالم خائفًا على نفسه وقد كلف أمر نفسه لا أمر غيره فينبغي أن يكون الغالب عليه في حق نفسه الخوف وفي حق غيره الرجاء وذلك يمنعه من التكبر بكل حال

فهذا العابد مع العالم فأما مع غير العالم فهم منقسمون في حقه إلى مستورين وإلى مكشوفين فينبغي أن لا يتكبر على المستور فلعله أقل عنه ذنوبًا وأكثر منه عبادة وأشد منه حبًا لله

وأما المكشوف حاله إن لم يظهر لك من الذنوب إلا ما تزيد عليه ذنوبك في طول عمرك

فلا ينبغي أن تتكبر عليه ولا يمكن أن تقول هو أكثر مني ذنبًا لأن عدد ذنوبك في طول عمرك وذنوب غيرك في طول العمر لا تقدر على إحصائها حتى تعلم الكثرة نعم يمكن أن تعلم أن ذنوبه أشد كما لو رأيت منه القتل والشرب والرياء ومع ذلك فلا ينبغي أن تتكبر عليه إذ ذنوب القلوب من الكبر والحسد والرياء والغل واعتقاد الباطل والوسوسة في صفات الله تعالى وتخيل الخطأ في ذلك كل ذلك شديد عند الله فربما جرى عليك في باطنك من خفايا الذنوب ما صرت به عند الله ممقوتًا وقد جرى للفاسق الظاهر الفسق من طاعات القلوب من حب الله وإخلاص وخوف وتعظيم ما أنت خال عنه وقد كفر الله بذلك عنه سيئاته فينكشف الغطاء يوم القيامة فتراه فوق نفسك بدرجات فهذا ممكن والإمكان البعيد فيما عليك ينبغي أن يكون قريبًا عندك إن كنت مشفقًا على نفسك فلا تتفكر فيما هو ممكن لغيرك بل فيما هو مخوف في حقك فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى وعذاب غيرك لا يخفف شيئًا من عذابك فإذا تفكرت في هذا الخطر كان عندك شغل شاغل عن التكبر وعن أن ترى نفسك فوق غيرك

وقد قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ مَا تَمَّ عَقْلُ عبد حتى يكون فيه عشر خصال فعد تسعة حتى بلغ العاشر فقال العاشرة وما العاشرة بها شاد مَجْدُهُ وَبِهَا عَلَا ذِكْرُهُ أَنْ يَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ خَيْرًا مِنْهُ

وَإِنَّمَا النَّاسُ عِنْدَهُ فِرْقَتَانِ

فِرْقَةٌ هِيَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَرْفَعُ وَفِرْقَةٌ هِيَ شَرٌّ مِنْهُ وَأَدْنَى

فَهُوَ يَتَوَاضَعُ لِلْفِرْقَتَيْنِ جَمِيعًا بقلبه إن رَأَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ سَرَّهُ ذَلِكَ وَتَمَنَّى أَنْ يَلْحَقَ بِهِ وَإِنْ رَأَى مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ قَالَ لَعَلَّ هَذَا يَنْجُو وَأَهْلِكُ أَنَا فَلَا تَرَاهُ إِلَّا خَائِفًا مِنَ العاقبة ويقوم لَعَلَّ بِرَّ هَذَا بَاطِنٌ فَذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ وَلَا أَدْرِي لَعَلَّ فِيهِ خُلُقًا كَرِيمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَتُوبَ عَلَيْهِ وَيَخْتِمَ له بأحسن الأعمال ويرى ظَاهِرٌ فَذَلِكَ شَرٌّ لِي

فَلَا يَأْمَنُ فِيمَا أَظْهَرَهُ مِنَ الطَّاعَةِ أَنْ يَكُونَ دَخَلَهَا الْآفَاتُ فأحبطتها ثم قَالَ فَحِينَئِذٍ كَمُلَ عَقْلُهُ وَسَادَ أَهْلَ زَمَانِهِ

فهذا كلامه

وبالجملة فمن جوز أن يكون عند الله شقيًا وقد سبق القضاء في الأزل بشقوته فماله سبيل إلى أن يتكبر بحال من الأحوال

نعم إذا غلب عليه الخوف رأى كل أحد خيرًا من نفسه وذلك هو الفضيلة كما روي أن عابدًا أوى إلى جبل فقيل له في النوم ائت فلانًا الإسكاف فسله أن يدعو لك

فأتاه فسأله عن عمله فأخبره أنه يصوم النهار ويكتسب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت