فهرس الكتاب

الصفحة 1108 من 1706

مرتين وكذلك قال طاوس لعمر بن عبد العزيز

ما هذه مشية من في بطنه خراء إذ رآه يتبختر وكان ذلك قبل خلافته وهذا أوله ووسطه

ولو ترك نفسه في حياته يومًا لم يتعهدها بالتنظيف والغسل لثارت منه الأنتان والأقذار وصار أنتن وأقذر من الدواب المهملة التي لا تتعهد نفسها قط

فإذا نظر أنه خلق من أقذار وأسكن في أقذار وَسَيَمُوتُ فَيَصِيرُ جِيفَةً أَقْذَرَ مِنْ سَائِرِ الْأَقْذَارِ لم يفتخر بجماله الذي هو كخضراء الدمن وكلون الأزهار في البوادي فبينما هو كذلك إذ صار هشيمًا تذروه الرياح كيف ولو كان جمالة باقيًا وعن هذه القبائح خاليًا لكان يجب أن لا يتكبر به على القبيح إذ لم يكن قبح القبيح إليه فينفيه ولا كان جمال الجميل إليه حتى يحمد عليه كيف ولا بَقَاءَ لَهُ بَلْ هُوَ فِي كُلِّ حِينٍ يتصور أن يزول بمرض أو جدري أو قرحة أَوْ سَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ فَكَمْ مِنْ وُجُوهٍ جميلة قد سمجت بهذه الأسباب فمعرفة هذه الأمور تَنْزِعُ مِنَ الْقَلْبِ دَاءَ الْكِبْرِ بِالْجَمَالِ لِمَنْ أكثر تأملها

السبب الثالث التكبر بالقوة والأيدي وَيَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَ مَا سَلَّطَ عَلَيْهِ مِنَ الْعِلَلِ وَالْأَمْرَاضِ وَأَنَّهُ لَوْ تَوَجَّعَ عِرْقٌ وَاحِدٌ فِي يَدِهِ لَصَارَ أَعْجَزَ مِنْ كل عاجز وأذل من كل ذليل وأنه لو سلبه الذباب شيئًا لم يستنقذه منه وأن بقة لو دخلت في أنفه أو نملة دخلت في أذنه لقتلته وأن شَوْكَةً لَوْ دَخَلَتْ فِي رِجْلِهِ لَأَعْجَزَتْهُ وَأَنَّ حمى يوم تحلل من قوته مالا يَنْجَبِرُ فِي مُدَّةٍ

فَمَنْ لَا يُطِيقُ شَوْكَةً ولا يقاوم بقة ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه ذبابة فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْتَخِرَ بِقُوَّتِهِ ثُمَّ إِنْ قَوِيَ الْإِنْسَانُ فَلَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ حِمَارٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ فِيلٍ أَوْ جَمَلٍ وَأَيُّ افتخار في صفة يسبقك فيها الْبَهَائِمُ

السَّبَبُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ الْغِنَى وَكَثْرَةُ الْمَالِ وفي معناه كثرة الأتباع والأنصار والتكبر بولاية السلاطين والتمكن من جهتهم وَكُلُّ ذَلِكَ تَكَبُّرٌ بِمَعْنًى خَارِجٍ عَنْ ذَاتِ الإنسان كالجمال والقوة والعلم

وهذا أقبح أنواع الكبر فإن المتكبر بماله كأنه متكبر بفرسه وداره ولو مات فرسه وانهدمت داره لعاد ذليلًا والمتكبر بتمكين السلطان وولايته لا بصفة في نفسه بنى أمره على قلب هو أشد غليانًا من القدر فإن تغير عليه كان أذل الخلق وكل متكبر بأمر خارج عن ذاته فهو ظاهر الجهل كيف والمتكبر بالغنى لو تأمل لرأى فِي الْيَهُودِ مَنْ يَزِيدُ عَلَيْهِ فِي الْغِنَى والثروة والتجمل فأف لشرف يسبقك به اليهودي وأف لشرف يأخذه السارق في لحظة واحدة فيعود صاحبه ذليلًا مفلسًا فهذه أسباب ليست في ذاته وما هو في ذاته ليس إليه دوام وجوده وهو في الآخرة وبال ونكال فالتفاخر به غاية الجهل وكل ما ليس إليك فليس لك وشيء من هذه الأمور ليس إليك بل إلى واهبه إن أبقاه لك وإن استرجعه زال عنك وما أنت إلا عبد مملوك لا تقدر على شيء

ومن عرف ذلك لا بد وأن يزول كبره

ومثاله أن يفتخر الغافل بقوته وجماله وماله وحريته واستقلاله وسعة منازله وكثرة خيوله وغلمانه إذ شهد عليه شاهدان عدلان عند حاكم منصف بأنه رقيق لفلان وأن أبويه كانا مملوكين له فعلم ذلك وحكم به الحاكم فجاء مالكه فأخذه وأخذ جميع ما في يده وهو مع ذلك يخشى أن يعاقبه وينكل به لتفريطه في أمواله وتقصيره في طلب مالكه ليعرف أن له مالكًا ثم نظر العبد فرأى نفسه محبوسًا في منزل قد أحدقت به الحيات والعقارب والهوام وهو في كل حال على وجل من كل واحدة منها وقد بقي لا يملك نفسه ولا ماله ولا يعرف طريقًا في الخلاص البتة أفترى من هذا حاله هل يفخر بقدرته وثروته وقوته وكماله أم يذل نفسه ويخضع وهذا حال كل عاقل بصير فإنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت