وقود النار [1] حديث سيأتي على الناس زمان من تمسك بعشر ما أنتم عليه نجا أخرجه أحمد من رواية رجل عن أبي ذر
لكان جديرًا بنا أن نقتحم والعياذ بالله تعالى ورطة اليأس والقنوط مع ما نحن عليه من سوء أعمالنا ومن لنا أيضًا بالتمسك بعشر ما كانوا عليه وليتنا تمسكنا بعشر عشره
فنسأل الله تعالى أن يعاملنا بما هو أهله ويستر علينا قبائح أعمالنا كما يقتضيه كرمه وفضله
الثَّانِي الْعَمَلُ وَالْعِبَادَةُ وَلَيْسَ يَخْلُو عَنْ رَذِيلَةِ العز والكبر واستمالة قلوب الناس الزهاد والعباد ويترشح الكبر منهم فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا
أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَهُوَ أنهم يرون غيرهم بزيارتهم أولى منهم بزيارة غيرهم ويتوقعون قيام الناس بقضاء حوائجهم وتوقيرهم والتوسع لهم في المجالس وذكرهم بالورع والتقوى وتقديمهم على سائر الناس في الحظوظ إلى جميع ما ذكرناه في حق العلماء وَكَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ عِبَادَتَهُمْ مِنَّةً عَلَى الْخَلْقِ
وَأَمَّا فِي الدِّينِ فَهُوَ أَنْ يَرَى النَّاسَ هَالِكِينَ وَيَرَى نَفْسَهُ نَاجِيًا وَهُوَ الْهَالِكُ تَحْقِيقًا مَهْمَا رَأَى ذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَمِعْتُمُ الرَّجُلَ يَقُولُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أهلكهم [2] حديث كفى بالمرء شرًا أن يقر أخاه المسلم أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ امرؤ من الشر
وكم من الفرق بينه وبين من يحبه لله ويعظمه لعبادته ويستعظمه ويرجو له ما لا يرجوه لنفسه فالخلق يدركون النجاة بتعظيمهم إياه لله فهم يتقربون إلى الله تعالى بالدنو منه وهو يتمقت إلى الله بالتنزه والتباعد منهم كأنه مترفع عن مجالستهم فما أجدرهم إذ أحبوه لصلاحه أن ينقلهم الله إلى درجته في العمل وما أجدره إذ ازدراهم بعينه أن ينقله الله إلى حد الإهمال كما روي أن رجلًا في بني إسرائيل كان يقال له خليع بني إسرائيل لكثرة فساده مر برجل آخر يقال له عابد بني إسرائيل وكان على رأس العابد غمامة تظله فلما مر الخليع به فقال الخليع في نفسه أنا خليع بني إسرائيل وهذا عابد بني إسرائيل
(1) حديث العباس يكون قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقولون قد قرأنا القرآن فمن أقرأ منا الحديث أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق
ولذلك قال عمر رضي الله عنه لا تكونوا جبابرة العلماء فلا يفي علمكم بجهلكم
ولذلك استأذن تميم الداري عمر رضي الله عنه في القصص فأبى أن يأذن له وقال إنه الذبح واستأذنه رجل كان إمام قوم أنه إذا سلم من صلاته ذكرهم فقال إني أخاف أن تنتفخ حتى تبلغ الثريا
وصلى حذيفة بقوم فلما سلم من صلاته قال لتلتمسن إمامًا غيري أو لتصلن وحدانًا فإني رأيت في نفسي أنه ليس في القوم أفضل مني
فإذا كان مثل حذيفة لا يسلم فكيف يسلم الضعفاء من متأخري هذه الأمة فما أعز على بسيط الأرض عالمًا يستحق أن يقال له عالم ثم إنه لا يحركه عز العلم وخيلاؤه فإن وجد ذلك فهو صديق زمانه فلا ينبغي أن يفارق بل يكون النظر إليه عبادة فضلًا عن الاستفادة من أنفاسه وأحواله لو عرفنا ذلك ولو في أقصى الصين لسعينا إليه رجاء أن تشملنا بركته وتسري إلينا سيرته وسجيته وهيهات فأنى يسمح آخر الزمان بمثلهم فهم أرباب الإقبال وأصحاب الدول قد انقرضوا في القرن الأول ومن يليهم بل يعز في زماننا عالم يختلج في نفسه الأسف والحزن على فوات هذه الخصلة فذلك أيضًا إما معدوم وإما عزيز ولولا بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله سيأتي على الناس زمان من تمسك فيه بعشر ما أنتم عليه نجا
(2) حديث إِذَا سَمِعْتُمُ الرَّجُلَ يَقُولُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أهلكهم أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُزْدَرٍ بِخَلْقِ اللَّهِ مُغْتَرٌّ بالله آمِنٌ مِنْ مَكْرِهِ غَيْرُ خَائِفٍ مِنْ سَطْوَتِهِ وَكَيْفَ لَا يَخَافُ وَيَكْفِيهِ شَرًّا احْتِقَارُهُ لِغَيْرِهِ
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَى بِالْمَرْءِ شرًا أن يحقر أخاه المسلم