فهرس الكتاب

الصفحة 1055 من 1706

بالعمومات الواردة في الرياء أولى

هذا ما ذكره ولم يقطع به بل أظهر ميلًا إلى الإحباط

والأقيس عندنا أن هذا القدر إذا لم يظهر أثره في العمل بل بقي العمل صادرًا عن باعث الدين وإنما انضاف إليه السرور بالاطلاع فلا يفسد العمل لأنه لم ينعدم به أصل نيته وبقيت تلك النية باعثة على العمل وحاملة على الإتمام

وأما الأخبار التي وردت في الرياء فهي محمولة على ما إذا لم يرد به إلا الخلق وأما ما ورد في الشركة فهو محمول على ما إذا كان قصد الرياء مساويًا لقصد الثواب أو أغلب منه أما إذا كان ضعيفًا بالإضافة إليه فلا يحبط بالكلية ثواب الصدقة وسائر الأعمال ولا ينبغي أن يفسد الصلاة ولا يبعد أن يقال إن الذي أوجب عليه صلاة خالصة لِوَجْهِ اللَّهِ وَالْخَالِصُ مَا لَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ فَلَا يَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلْوَاجِبِ مَعَ هَذَا الشَّوْبِ والعلم عند الله فيه

وقد ذكرنا في كتاب الإخلاص كلامًا أوفى مما أوردناه الآن فليرجع إليه فهذا حكم الرياء الطارئ بعد عقد العبادة إما قبل الفراغ أو بعد الفراغ

القسم الثالث الذي يقارن حال العقد بأن يَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ عَلَى قَصْدِ الرِّيَاءِ فَإِنِ اسْتَمَرَّ عليه سَلَّمَ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَقْضِي وَلَا يُعْتَدُّ بِصَلَاتِهِ وَإِنْ نَدِمَ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ ذلك واستغفر ورجع قبل التمام ففيما يلزمه ثلاثة أوجه

قالت فرقة لم تنعقد صلاته مع قصد الرياء فليستأنف

وقالت فرقة تلزمه إعادة الأفعال كالركوع والسجود وتفسد أفعاله دون تحريمة الصلاة لأن التحريم عقد والرياء خاطر في قلبه لا يخرج التحريم عن كونه عقدًا

وقالت فرقة لا يلزم إعادة شيء بل يستغفر الله بقلبه ويتم العبادة على الإخلاص والنظر إلى خاتمة العبادة كما لو ابتدأ بالإخلاص وختم بالرياء لكان يفسد عمله

وشبهوا ذلك بثوب أبيض لطخ بنجاسة عارضة فإذا أزيل العارض عاد إلى الأصل فقالوا إن الصلاة والركوع والسجود لا تكون إلا لله ولو سجد لغير الله لكان كافرًا ولكن اقترن به عارض الرياء ثم زال بالندم والتوبة وصار إلى حالة لا يبالي بحمد الناس وذمهم فتصح صلاته

ومذهب الفريقين الآخرين خارج عن قياس الفقه جدًا خصوصًا من قال يلزمه إعادة الركوع والسجود دون الافتتاح لأن الركوع والسجود إن لم يصح صارت أفعالًا زائدة في الصلاة فتفسد الصلاة

وكذلك قول من يقول لو ختم بالإخلاص صح نظرًا إلى الآخر فهو أيضًا ضعيف لأن الرياء يقدح في النية وأولى الأوقات بمراعاة أحكام النية حال الافتتاح فالذي يستقيم على قياس الفقه هو أن يقال إن كان باعثه مجرد الرياء في ابتداء العقد دون طلب الثواب وامتثال الأمر لم ينعقد افتتاحه ولم يصح ما بعده وذلك فيمن إذا خلا بنفسه لم يصل ولما رأى الناس تحرم بالصلاة وكان بحيث لو كان ثوبه نجسًا أيضًا كان يصلي لأجل الناس فهذه صلاة لا نية فيها إذ النية عبارة عن إجابة باعث الدين وههنا لا باعث ولا إجابة

فأما إذا كان بحيث لولا الناس أيضًا لكان يصلي إلا أنه ظهر له الرغبة في المحمدة أيضًا فاجتمع الباعثان فهذا إما أن يكون في صدقة وقراءة وما ليس فيه تحليل وتحريم أو في عقد صلاة وحج فإن كان في صدقة فقد عصى بإجابة باعث الرياء وأطاع بإجابة باعث الثواب {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يعمل مثقال ذرة شرًا يره} فله ثواب بقدر قصده الصحيح وعقاب بقدر قصده الفاسد ولا يحبط أحدهما الآخر

وإن كان في صلاة تقبل الفساد بتطرق خلل إلى النية فلا يخلو إما أن تكون فرضًا أو نفلًا فإن كانت نفلًا فحكمها أيضًا حكم الصدقة فقد عصى من وجه وأطاع من وجه إذ اجتمع في قلبه الباعثان ولا يمكن أن يقال صلاته فاسدة والاقتداء به باطل حتى إن من صلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت