فهرس الكتاب

الصفحة 1007 من 1706

الثواب في الآخرة أو اكتساب فضيلة الجود وتطهير النفس عن رذالة البخل فيسمى جوادًا فإن كان الباعث عليه الخوف من الهجاء مثلًا أو من ملامة الخلق أو ما يتوقعه من نفع يناله من المنعم عليه فكل ذلك لَيْسَ مِنَ الْجُودِ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ بِهَذِهِ الْبَوَاعِثِ وَهِيَ أَعْوَاضٌ مُعَجَّلَةٌ لَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ معتاض لا جواد كما روي عن بعض المتعبدات أنها وقفت على حبان بن هلال وهو جالس مع أصحابه فقالت هل فيكم من أسأله عن مسألة فقالوا لها سلي عما شئت وأشاروا إلى حبان بن هلال فقالت ما السخاء عندكم قالوا العطاء والبذل والإيثار قالت هذا السخاء في الدنيا فما السخاء في الدين قالوا أن نعبد الله سبحانه سخية بها أنفسنا غير مكرهة قالت فتريدون على ذلك أجرًا قالوا نعم قالت ولم قالوا لأن الله تعالى وعدنا بالحسنة عشر أمثالها قالت سبحان الله فإذا أعطيتم واحدة وأخذتم عشرة فبأي شيء تسخيتم عليه قالوا لها فما السخاء عندك يرحمك الله قالت السخاء عندي أن تعبدوا الله متنعمين متلذذين بطاعته غير كارهين لا تريدون على ذلك أجرًا حتى يكون مولاكم يفعل بكم ما يشاء ألا تستحيون من الله أن يطلع على قلوبكم فيعلم منها أنكم تريدون شيئًا بشيء إن هذا في الدنيا لقبيح وقالت بعض المتعبدات أتحسبون أن السخاء في الدرهم والدينار فقط قيل ففيم قالت السخاء عندي في المهج

وقال المحاسبي السخاء في الدين أن تسخوا بنفسك تتلفها لله عز وجل ويسخو قلبك ببذل مهجتك وإهراق دمك لله تعالى بسماحة من غير إكراه ولا تريد بذلك ثوابًا عاجلًا ولا آجلًا وإن كنت غير مستغن عن الثواب ولكن يغلب على ظنك حسن كمال السخاء بترك الاختيار على الله حتى يكون مولاك هو الذي يفعل لك ما لا تحسن أن تختار لنفسك

بَيَانُ عِلَاجِ الْبُخْلِ

اعْلَمْ أَنَّ الْبُخْلَ سَبَبُهُ حُبُّ الْمَالِ

وَلِحُبِّ 2 الْمَالِ سَبَبَانِ أَحَدُهُمَا حُبُّ الشَّهَوَاتِ الَّتِي لَا وُصُولَ إِلَيْهَا إِلَّا بِالْمَالِ مع طول الأمل فإن الإنسان لو علم أنه يموت بعد يوم ربما أنه كان لا يبخل بماله إذ القدر الذي يحتاج إليه في يوم أو في شهر أو في سنة قريب وإن كان قصير الأمل ولكن كان له أولاد أقام الولد مقام طول الأمل فإنه يقدر بقاءهم كبقاء نفسه فيمسك لأجلهم

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم عليه السلام الولد مبخلة مجبنة مجهلة // حديث الولد مبخلة زاد في رواية محزنة ابن ماجه من حديث يعلى بن مره دون قوله محزنة رواه بهذه الزيادة أبو يعلى والبزار من حديث أبي سعيد والحاكم من حديث الأسود بن خلف وإسناده صحيح

فإذا انضاف إلى ذلك خوف الفقر وقلة الثقة بمجيء الرزق قوي البخل لا محالة

السبب الثاني أن يحب عين المال فمن الناس من معه ما يكفيه لبقية عمره إذا اقتصر على ما جرت به عادته بنفقته وتفضل آلاف وهو شيخ بلا ولد ومعه أموال كثيرة ولا تسمح نفسه بإخراج الزكاة ولا بمداواة نفسه عند المرض بل صار محبًا للدنانير عاشقًا لها يلتذ بوجودها في يده وبقدرته عليها فيكنزها تحت الأرض وهو يعلم أنه يموت فتضيع أو يأخذها أعداؤه هذا فلا تسمح نفسه بأن يأكل أو يتصدق منها بحبة واحدة وهذا مرض للقلب عظيم عسير العلاج لا سيما في كبر السن وهو مرض مزمن لا يرجى علاجه

ومثال صاحبه مثال رجل عشق شخصًا فأحب رسوله لنفسه ثم نسي محبوبه واشتغل برسوله فإن الدنانير رسول يبلغ إلى الحاجات فصارت محبوبة لذلك لأن الموصل إلى اللذيذ لذيذ ثم قد تنسى الحاجات ويصير الذهب عنده كأنه محبوب في نفسه وهو غاية الضلال بل من رأى بينه وبين الحجر فرقًا فهو جاهل إلا من حيث قضاء حاجته به فالفاضل عن قدر حاجته والحجر بمثابة واحدة

فهذه أسباب حب المال

وإنما علاج كل علة بمضادة سببها فتعالج حب الشهوات بالقناعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت