عندما غضب أحد أمراء الشام على العز بن عبد السلام، ومنعه من التدريس، وفرض عليه الإقامة الجبرية، ذهب أحد الفقهاء الأحناف وهو جمال الدين الحصيري -وكان فقيهًا مهيبًا- إلى الحاكم في قلعته، ووقف عند الباب على حماره، فقال الحاكم: دعوه يدخل، فلما دخل قام الحاكم إليه وأنزله بنفسه، وقدّمه وقدّره وأبى أن يأكل إلا بعده فقال الشيخ: ما جئت إلى طعامك ولا إلى شرابك، فقال له السلطان: يَرْسُم الشيخ ونحن نمتثل مرسومه (1) ، قال: ما الذي حدث بينك وبين الإمام العز.بن.عبد.السلام؟ قال: حدث كذا، وكذا، وذكر القضية، فقال هذا الفقيه: والله لو كان العز.بن.عبد.السلام في الهند أو في أقصى الدنيا لكان جديرًا بك أن تسعى في أن يحضر إليك؛ فإنه شرف لك أن تملك أُمَّة فيها مثل العز.بن.عبد.السلام، فينبغي أن تسترضيه فوافق على ذلك، وأرضى العز بن.عبد.السلام وجعله في مقام رفيع (2) .
المبحث التاسع
من يحمل الراية؟
إن الأمة خاصة في أزمنة الفتن والضعف كهذا الضعف الذي نعيشه الآن، وكالضعف الذي كان في زمن العز.بن.عبد.السلام إذْ تسلَّطَ عليها التتار من جهة، والصليبيون من جهة، والضعف الداخلي من جهة ثالثة، والتفرق والتمزق إلى غير ذلك.
إن الأمة في لحظات الضعف هذه تطرح سؤالًا هو: من الذي يحمل الراية؟
الأمة كلها في حيرة تريد أحدًا يحمل الراية، ويقول: أنا لها؛ حتى تسير الأمة كلّها، ويسير العلماء، وطلاب العلم، والدعاة وراءه.
.شيوخ العزّ يحملون الراية من قبله:
إن العز.بن.عبد.السلام - رحمه الله - تربى على أيدي علماء فيهم قوة وجرأة في الحق، فمنهم تعلّم، وعلى دربهم سار، ومن هؤلاء العلماء:
(1) قال: رَسَمْتُ له كذا فارتسمه: إذا طلبت الشيء فامتثله ونَفَّذَه. انظر: لسان العرب (5/216) .
(2) نظر: طبقات الشافعية الكبرى (8/237) .