فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 30

إن العالم في هذا الوقت -خاصة العز بن عبد السلام- كان في موقف عظيم، فمن جهة كان مدافعًا عن مصالح الأمة سواءً في أمورها الخاصة أو العامة، ولعل من أبرز الصور التي تتجلى فيها مدافعته عن مصالح الأمة دفاعه عن مصالحها الاقتصادية، ومعلوم أن الاقتصاد من الأمور التي يشترك الناس كلهم في الغضب لها أو الرضا بها، فإذا مَسَّت الجوانب الاقتصادية حياة الناس سخطوا، وإذا أرضوا بالمال رضوا: طيّبُهم وفاجرُهم.

ولذلك كان العز وغيره من العلماء يحرصون على حماية مصالح الناس عامة والاقتصادية خاصة.

.خدمته للأمة على المستوى الخاص:

من المؤكد أن العز بن عبد السلام لم يكن عنده امتيازات شخصية، فلم يكن عنده رواتب ضخمة، ولا قصور فخمة؛ بل -كما سبق- كان الموكب الذي أراد أن يخرج به من مصر عبارة عن حمارين، وكان أثاثه كلّه يحمل في مزادتين، ورغم ذلك لم يتأخر العز عن خدمة الأمة على قلة ما يملك.

فقد حدث في دمشق انخفاض في الأسعار، حتى أصبحت البساتين تباع بأسعار زهيدة، فجاءت زوجة العزّ له وقد جمعت مصاغًا لها، وأعطته للعز وقالت له: اشتر لنا بستانًا نصطاف فيه -أي نخرج إليه في الصيف-، فأخذ العزّ الحلي والمصاغ وباعه، ثم وجد الناس محتاجين، فتصدق به، ثم رجع إلى البيت، فقالت له زوجته: يا سيدي، هل اشتريت لنا بستانًا؟ قال: نعم اشتريت لك بستانًا ولكن في الجنة، فقد رأيت الناس محتاجين ففرَّقْتُ هذا المال فيهم. فقالت له: جزاك الله خيرًا (1) .

إذن الأمة عرفت أن الرجل يبذل ماله، ويحرص على قضاء حقوق المحتاجين، ولو من مصاغ زوجته، وهذا يستحق أن تقف الأمة وراءه، هذا في الأمور الخاصة وإن كانت بسيطة؛ لأن العالم في العادة لا يكون عنده أموال يوزعها،، فالعالم في تاريخ الأمة كلها ما كان يوزع أموالًا إلا في حالات نادرة، إنما يوزع الهداية بين الناس، هداية الدلالة والإرشاد.

.خدمته للأمة على المستوى العام:

(1) نظر: طبقات الشافعية الكبرى (8/214) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت