فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 30

وظن فخر الدين وغيره أن هذا الحكم بإسقاط عدالته لن يتأثر به فخر الدين إلا في مصر فقط، ولكنهم تعجّبوا أشد العجب حينما حدث خلاف ذلك، فقد أرسل ملك مصر"الملك الصالح"إلى الخليفة العباسي المستعصم ببغداد رسالة شفهية بواسطة أحد الأشخاص وعندما أبلغ هذا الرجل الرسالة إلى الخليفة المستعصم قال له الخليفة: هل سمعت هذه الرسالة من ملك مصر مباشرة؟ قال: لا، ولكن أبلغنيها الوزير فخر الدين عن الملك، فقال له الخليفة: إن هذا الوزير المذكور قد أسقط العز بن عبد السلام عدالته، ولا أقبل خبره، ارجع بهذه الرسالة، فلن أقبل هذا الخبر حتى تأتيني به من حاكم مصر مباشرة، فرجع الرسول إلى ملك مصر حتى شافهه بالرسالة ثم عاد إلى بغداد وأدّاها إلى الخليفة المستعصم (1) .

وعندما وصل خبر ردّ الخليفة لرواية هذا الوزير وخبره، عرف الناس أن الأمة كلها مع العز.بن.عبد.السلام.

ولنا على هذه القصّة ثلاث ملاحظات:

الملاحظة الأولى: نلاحظ من هذه القصة: كيف أن الأمة كانت تواصل العلماء، وتخبرهم بما يجري وما يقع؛ فالعالم ليس كالشمس يشرق على هذه الدنيا كلها، ولذا يحتاج من تلاميذه وممن حوله أن يقولوا له: حصل كذا وحصل كذا، بحيث إن الأمة كلها تمد جسورها مع العالم وهذا أمر مهم وضروري للغاية.

الملاحظة الثانية: أنّ العز.بن.عبد.السلام كان يتولى بنفسه أحيانًا مباشرة تغيير المنكر باليد، وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (2) والعز كان يستطيع أن يغير بيده فقد كان منصبه ومكانته تؤهله لذلك .

وتغييره - رحمه الله - باليد يعد مَوْقفًا وسطًا بين صورتين تقعان في كل زمان ومكان:

(1) نظر: طبقات الشافعية الكبرى (8/215) .

(2) خرجه مسلم (49) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت