من تنزيه وإثبات شأنه شأن عظيم؛ إذ كلّ منهما أصل أصيل في حقيقة التّوحيد وجوهره؛ فلا يكون التّوحيد إلاّ متضمّنًا للنّفي والإثبات؛ إذ النّفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات بدون النّفي [1] . وقد عُني المتكلّمون بجانب التّنزيه تأصيلًا وتفريعًا، وكثرت فيه أخطاؤهم حتَّى أوصلتهم أصولهم الفاسدة إلى إهمال الإثبات كلّه، أو كادت. فقابلتهم طائفة أخرى عنيت بجانب الإثبات عناية تامةً تشكر وتحمد عليها، ولكنّها قصّرت في جانب التّنزيه حتَّى كادت توهم طلبة العلم أنّ التّنزيه ميراث كلامي مآله التّعطيل، لا ميراثًا نبويًّا تكون عاقبته الإيمان بتفرّد الربّ بجميع ما يستحقّه من صفات الكمال. وقد انتقلت هذه النّظرة لبعض من شرح أسماء الله الحسنى، فكانوا يمرّون على معاني التّنزيه في أسماء التّمجيد والتّقديس مرورًا عابرًا لا يناسب ما يمثّله التّنزيه من منزلةٍ عالية تليق بكونه ركنًا لا يكون التّوحيد العلميّ إلاّ به؛ ولهذا رأيت أن أفرد
(1) انظر: تيسير العزيز الحميد ص51.
المراد بالنّفي المحض النفي المجرّد، الَّذِي لاَ يستلزم إثباتًا، وَلاَ يدلّ عَلَيْهِ بوجه من الوجوه؛ وهو لا يكفي في تحقيق التّوحيد العلمي؛ ولهذا أنكر علماء السّلف تنزيهات المتكلّمين القائمة عَلَى النّفي المجرّد؛ كنفي الأبعاض، والأعراض، والحدّ، والجهة.
وهكذا شأن التّوحيد العملي، فلا بدّ فيه من نفي وإثبات؛ هما ركنا التوحيد العملي، فلا يكون إِلاَّ بهما؛ إذ لا بُدّ فِيهِ من البراءة من عبادة ما سوى اللّه، وإفراد اللّه بجميع أنواع العبادة.