الصفحة 45 من 1408

وَقَدْ أَدَّى تَعَصُّبُ الْعَامَّةِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِلَى اتِّهَامِهِ بِمَا يَقْطَعُ التَّارِيْخُ بِكَذِبِهِ . وَلَعَلَّ هَذَا الاخْتِلافَ فِي مُيُولِ النَّاقِدِينَ وَأَنْظَارِهِمْ وَتَفَاوُتِهِمْ بَيْنَ الشِّدَّةِ وَالتَّسَاهُلِ فِي النَّقْدِ ، هُوَ الَّذِي دَعَا أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ أَخِيْرًَا إِلَى أَنْ لا يَقْبَلُوا جَرْحًَا إِلاَّ مُفَسَّرًَا خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ مَنْشَأَ الْجَرْحِ خَطَأٌ فِي تَقْدِيْرِ النَّاقِدِ أَوْ عَصَبِيَّةٌ لا حَقِيقَةً وَوَاقِعًَا . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ: وَالْجَرْحُ لا يُقْبَلُ إِلاَّ مُفَسَّرًَا ، لاخْتِلافِ النَّاسِ فِي الأَسْبَابِ الْمُفَسِّقَةِ ، فَقَدْ يَعْتَمِدُ الْجَارِحُ شَيْئًَا مُفَسِّقًَا فَيُضَعِّفُهُ ، وَلا يَكُونُ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الأَمْرِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ ، فَلِهَذَا اشْتُرِطَ بَيَانُ السَّبَبِ فِي الْجَرْحِ . وَمِنْ طَرِيفِ مَا يُذْكَرُ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لِمَ تَرَكْتَ حَدِيثَ فُلانٍ ؟ ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَرْكُضُ عَلَى بِرْذَوْنٍ ، فَتَرَكْتُ حَدِيثَهُ ! . وَسُئِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ حَدِيثٍ لِصَالِحٍ الْمُرِّيِّ ، فَقَالَ: مَا يُصْنَعُ بِصَالِحٍ ، ذَكَرُوهُ يَوْمًَا عِنْدَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَامْتَخَطَ حَمَّادٌ ! . فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَجْرَحُونَ الرِّجَالَ لأَسْبَابٍ وَاهِيَةٍ لا عِلاقَةَ لَهَا بِالْعَدَالَةِ وَالثِّقَةِ وَالضَّبْطِ ، وَلَكِنْ الْحَقُّ أَنَّ هَذَا صَنِيعُ الْجَاهِلِينَ أَوْ الْمُتَطَفِّلِينَ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ ، أَمَّا الأَئِمَّةُ الْمُنْتَصِبُونَ لِهَذَا الشَّأْنِ الْعَارِفُونَ يِدَقَائِقِهِ فَلا يَقَعُونَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْحُكْمِ الْجَائِرِ ، وَالنَّقْدِ الْمُضْحِكِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت