الصفحة 44 من 1408

وَلَمْ يَكُنْ الأَئِمَّةُ الَّذِينَ عُنُوا بِهَذَا الْفَنِّ عَلَى اسْتِوَاءٍ وَاحِدٍ فِي مَقَايِيسِ النَّقْدِ الَّذِي يُطَبِّقُونَ عَلَى الرُّوَاةِ ، بَلْ كَانَ مِنْهُمُ الْمُتَشَدِّدُ ، وَمِنْهُمُ الْمُتَسَاهِلُ ، وَمِنْهُمُ الْمُتَوَسِّطُ الْمُعْتَدِلُ ، فَمِنَ الْمَتُشَدِّدِينَ: ابْنُ مَعِينٍ ويحيى بن سعيد القطان وابن حبان وأبو حاتم الرازي ، ومن المتساهلين: الترمذي والحاكم وابن مهدي ، ومن المعتدلين: أحمد والبخاري ومسلم . وبذلك تباينت الآراء فِي بعض الرواة ، فمنهم من يوثقه ومنهم من يضعفه ، وما ذلك إلا لاختلاف الأنظار والمقاييس الَّتِي وضعها كل إمام فِي نقده ، بل قد ينقل عن العالم الواحد رأيان مختلفان فِي راو واحد ، فَقَدْ يراه اليوم ثقة ، ثُمَّ يرى منه بعد ذلك ما يضطره للعدول عن حكمه ، وقد يكون الأمر عكس ذلك . ومن أسباب الاختلاف فِي التجريح والتعديل اختلاف منازع الفقهاء فِي الاجتهاد ، فالنزاع بين أهل الحديث وأهل الرأي مشهور معروف أدى إلى أن يطعن بعض أهل الحديث فِي بعض أئمة أهل الرأي وأن يعدوهم من الضعفاء لا لشيء إلا لنزعتهم الاجتهادية الَّتِي لا تتفق مع نزعة أهل الحديث . وَحَسْبُكَ دَلِيلًا عَلَى هَذَا أَنَّ إِمَامًَا جَلِيلًا مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ التَّشْرِيعِ فِي تَارِيْخِ الإِسْلامِ ، وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ ، تَحَامَلَ عَلَيْهِ كَثِيْرٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَجَرَحَهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، مَعَ زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ وَتَقَوَاهُ وَجَلالَةِ قَدْرِهِ ، وَنَجِدُ ذَلِكَ وَاضِحًًَا مِمَّا نَقَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي تَارِيْخِ بَغْدَادَ (13/323-423) فِي تَرْجَمَةِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَا ذَلِكَ إِلاَّ لِدِقَّةِ مَسْلَكِهِ الْفِقْهِيِّ ، الَّذِي خَفِيَ عَلَى كَثِيْرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ ، بَلْ عَلَى كَثِيْرٍ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت