الصفحة 34 من 1408

ثُمَّ جَاءَ الْقَرْنُ الثَّالِثُ فَكَانَ أَزْهَى عُصُورِ السُّنَّةِ وَأَسْعَدِهَا بِأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَتَآلِيفِهِمْ الْعَظِيمَةِ الْخَالِدَةِ ، فَقَدْ ابْتَدَأَ التَّأْلِيفُ فِي هَذَا الْقَرْنِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَسَانِيدِ ، وَهِيَ جَمْعُ مَا يُرْوَى عَنِ الصَّحَابِيِّ فِي بَابٍ وَاحِدٍ رَغْمَ تَعَدُّدِ الْمَوْضُوعِ . وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ ، وَمُسَدَّدٌ الْبَصْرِيُّ ، وَأَسَدُ بْنُ مُوسَى ، وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الْخُزَاعِيُّ . ثُمَّ اقْتَفَى أَثَرَهُمْ الْحُفَّاظُ ، فَصَنَّفَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مُسْنَدَهُ الْمَشْهُورَ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا ، وَكَانَتْ طَرِيقَةُ هَؤُلاءِ فِي التَّأْلِيفِ أَنْ يُفْرِدُوا حَدِيثَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِالتَّأْلِيفِ دُونَ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ ، وَفَتَاوَى التَّابِعِينَ ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَمْزِجُونَ فِيهَا الصَّحِيحَ بِغَيْرِهِ ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْعَنَاءِ مَا فِيهِ عَلَى طَالِبِ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَعَرَّفَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهَا ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّأْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وُقُوفٌ عَلَى ذَلِكَ اضْطَرَ إِلَى أَنْ يَسَأَلَ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ ، فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ ، بَقِيَ الْحَدِيثُ مَجْهَولَ الْحَالِ عِنْدَهُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت