7)أن الحاكم بهذه المجلة قد أخل بأعظم شرط يشترط في القاضي وهو الاجتهاد وطلب الحق من مظانه فقد اشترط العلماء في القاضي أن يكون مجتهدًا مطلقًا متحريًا للصواب من منابعه الأولى: الكتاب والسنة والقياس الصحيح وإجماع الأمة فلما تعسر عليهم هذا النوع من القضاة -حيث نكب المسلمون في دينهم وعلمهم من هجمات أعدائهم من التتر والصليبين وغيرهم- لما تعسر عليهم الاجتهاد المطلق قنعوا بأن يكون القاضي مجتهدًا ولو في مذهب إمامه الذي يقلده وذلك أضعف أداة فينظر في أصول إمامه وفتاويه ومتقدم أقواله ومتأخرها وأدلته ومآخذها وينظر في كلام كبار أصحابه، أما المقلد المتقيد فلم يره العلماء أهلًا للقضاء والفتيا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى وبقوله أو وجه من غير نظر في الترجيح ويجب العمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعًا) وقال أيضًا: (ولا يجوز التقليد مع معرفة الحكم اتفاقًا وقبله لا يجوز على المشهور) .
قال ابن القيم: (لا يجوز للمقلد أن يفتي في دين الله تعالى بما هو مقلد وليس على بصيرة فيه سوى أنه قول منق لده دينه هذا إجماع من السلف كلهم وصرح به الإمام أحمد والشافعي رضي الله عنهما وغيرهما وقطع أبو عبد الله الحليمي والقاضي أبو المحاسن وغيرهما بأنه لا يجوز للمقلد أن يفتي بما هو مقلد فيه) وكلام السلف في ذم التقليد كثير.
وإذا كان الاجتهاد مشروطًا في الحاكم والتقليد مذموم له وأقل ما يطلب منه أن يكون مجتهدًا في مذهب أمامه فالحاكم بهذه المجلة أحط حالًا منه لأنه لن يجتهد بقضية فهو مقصور عليها حيث قد انقطع بها الاجتهاد كما انقطعت الرسالة «بمحمد صلى الله عليه وسلم» .