أمّا التولية: فخلاف ذلك، لأنَّ التولية بيع بالثمن الأوّل من غير زيادة ولا نقصان، وقد ظهرت الزيادة عن الثمن الأوّل بالخيانة، فلو أثبتنا هنا حكم الخيانة من الفسخ، لكنّا ضمنأ قد أخرجنا العقد عن كونه توليةً فجعلناه مرابحةً، وهذا إنشاء لعقد لم يحصل فلا يجوز، وبتعبير آخر نكون قد فسخنا عقدًا على أنه مرابحة مع أن مرابحةً لم تنعقد بين الطرفين، بل نعمل هنا على إرجاع العقد إلى كونه توليةً فعلًا بحطّ قدر الخيانة. وبعبارة أخرى، فإن الأصل أن يأخذ المشتري السلعة بجميع الثمن بشرط أن يبقى اسم العقد على حاله، مرابحة أو تولية، وهذا ممكن في المرابحة دون التولية، لأنه إن أخذه بجميع الثمن في التولية، لم يكن القد تولية، بل مرابحة. هذه وجهة نظر الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى. (1)
القول الثاني:
يثبت الخيار للمشتري بين فسخ البيع ورد المبيع إن كان قائمًا أو الإمساك والرجوع على البائع بالفرق. وهذا قول الشافعيّة والمالكيّة. (2)
وقد نبَّه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى إلى أن للمشتري الحق في إسقاط الزائد من أصل الثمن الحقيقي وما يقابله من الربح، فما كان رأس ماله تسعين مثلًا فأخبر عنه بأنه مائة يُرجع فيه بأحد عشر: عشرة من الزيادة في رأس المال، وواحد عن الربح إذا كان الربح الحاصل عشرة دراهم. (3)
وأرى أنَّ ما نبّه عليه الإمام الشافعي هو أصل متفق عليه عند الجميع وإن سكت بعضهم عن النصّ عليه، لوجوب الأخذ به عقلًا. هذا إذا كان شرط الربح في عقد المرابحة نسبةً من رأس المال.
(1) بدائع الصنائع: 5/226.
(2) الأم للإمام الشافعي: 3/93، الحاوي للماوردي: 5/284، حاشية الدسوقي: 3/168.
(3) الأم للإمام الشافعي: 3/93، الحاوي للماوردي: 5/248.