ويمكن القول بأن العبرة للعرف فيما يعدّ خيانةً كتمه وفيما لا يعدّ. فيجب بيان ما يعدّ كتمه خيانةً، وكل ما يؤثر في إقبال المشتري على السلعة على حساب الثمن.
الفصل الخامس
ظهور الخيانة في المرابحة وأحكامها
الخيانة في عقد المرابحة إما أن تكون في قدر الثمن أو في صفته. وسأبحث كل حالةٍ في مبحث.
المبحث الأول: الخيانة في قدر الثمن.
المبحث الثاني: الخيانة في وصف الثمن.
المبحث الأول ـ الخيانة في قدر الثمن:
إن خان البائع المشتري في قدر الثمن بأن أخبره بأنه اشترى بمائة مثلًا، فظهر بدليل أنه اشترى بأقلّ، أو بأن أضاف نفقاتٍ إلى رأس المال هو فيها كاذب وظهر كذبه. فأقوال ثلاثة في حكم ذلك:
القول الأول:
يثبت الخيار للمشتري بفسخ البيع أو إمضائه بجميع الثمن دون الرجوع على البائع بقدر الخيانة. وهو قول الطرفين أبي حنيفة ومحمّد رحمهما الله تعالى. ودليلهما أن البائع لم يرض بلزوم العقد إلا بالقدر المسمّى من الثمن فلا يُلزم بدونه، فلا يُرجع عليه بالفرق، ولكنْ للمشتري الرد لفوات وصف السلامة عن الخيانة، كفوات وصف السلامة عن العيب يثبت فيه الخيار. (1)
وتجدر الإشارة إلى أنّ الإمام أبا حنيفة فرّق في هذا الحكم بين المرابحة والتولية، فلم يثبت للمشتري في التولية الحق في فسخ البيع، بل أثبت له حق حط قدر الخيانة، وذكر في ذلك تعليلًا دقيقًا فقال بأن الخيانة في المرابحة لا تخرج العقد عن كونه مرابحةً، لأن المرابحة بيعٌ بالثمن الأوّل وزيادة ربح، وهذا قائم حاصل بعد الخيانة، فلم يخرج العقد عن كونه مرابحةً بالخيانة، وإنما أوجب تغييرًا في قدر الثمن، وهذا يورث خللًا في الرضا فيثبت الخيار.
(1) بدائع الصنائع للكاساني: 5/225-226.