الصفحة 54 من 221

ذهب أبو حنيفة، رحمه الله تعالى، ووافقه ابن سيرين إلى أن البائع يطرح كل ربح كان ربحه قبل ذلك، فيبيعه مرابحة على ما بقي من رأس المال بعد الطرح، فإن لم يبق منه شيء بأن استغرقه الربح، لم يبعه مرابحة (1) .

فعلى هذا، لو اشترى كتابًا بعشرة دراهم، فباعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة، فإنه يرابح على خمسة عند أبي حنيفة.

وحجته أن الشراء الأخير عندما اشتُري الكتاب بعشرة قد أكَّد الربح الذي ربحه سابقًا عندما باعه بخمسة عشر، وهو ربح الخمسة دراهم، لأن العقد الذي ربح فيه الخمسة كان يحتمل البطلان بالردّ بالعيب أو غيره من أسباب الفسخ، فلمّا اشترى الكتاب بعد ذلك، خرج هذا العقد الذي ربح فيه عن احتمال البطلان أو الفسخ، فتأكَّد الربح، فكان مشتريًا للكتاب وربح الخمسة دراهم بالعشرة التي دفعها أخيرًا. فقد آل إذًا رأسمال البائع في الكتاب إلى خمسة، فيرابح عليها لا على العشرة، وذلك نتيجة العقد الأخير الذي يرابح عليه (2) .

مذهب الجمهور:

ذهب جمهور الفقهاء والصاحبان من الحنفيّة إلى أنه يرابح على الثمن الأخير، فلا عبرة بالعقود المتقدِّمة ربح فيها البائع أم خسر. واستحبّ الإمام أحمد والشافعيّة الإخبار بما ربحه البائع سابقًا في السلعة. وفي وجه عند الحنابلة: يجب، وفيه نظر عندهم، والأرجح الاستحباب (3) . ودليل الجمهور: أن العقود المتقدمة لا عبرة بها، إذ قد تلاشت، والعبرة للعقد الأخير، لأن حكمه هو القائم، بدليل ملك السلعة به فكان هو المعتبر، ولا تغرير بالمشتري في ذلك إذا كان البائع صادق في الإخبار عن الثمن الأخير (4) .

الرأي المختار:

(1) بدائع الصنائع للكاساني: 5/224.

(2) المرجع الساببدائع الصنائع: 5/224.

(3) شرح منتهى الإرادات للبهوتي: 2/184، المغني لابن قدامة: 6/272، المدونة للإمام مالك: 3/246، بدائع الصنائع للكاساني: 5/224.

(4) المراجع السابقة والصفحات ذاتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت