ولكن المالكيّة دون غيرهم مع قولهم بعدم اللحوق ألزموا البائع في المرابحة ببيان ما حصل من حط أو زيادة بعد لزوم العقد (1) .
دليل جمهور الفقهاء: استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بأن الحط هبة من البائع للمشتري إن كان بعد لزوم العقد، والزيادة أيضًا هبة من المشتري للبائع، ولا يمكن إلحاق أيٍّ من كلتي الهبتين هبة الحط والزيادة بالثمن.
أمّا هبة الحط: فلأن كل الثمن الذي لزم به البيع، صار مقابلًا بكل المبيع وقت اللزوم، فلو قلنا بإلحاق الحط، للزم بقاء جزء من المبيع بلا ثمن، وهذا غير ممكن، فيعتبر الحط إذًا هبةً مبتدأة.
وأمّا هبة الزيادة من المشتري للبائع، فلأن المشتري ملك المبيع بالثمن المسمّى في العقد، فكيف تكون الزيادة التي يعطيها المشتري للبائع في مقابل ملك نفسه إن قلنا بلحوقها بالثمن !! إذ يلزم من قولنا بلحوق الزيادة أن يكون المشتري قد أعطاها في مقابل ملكه، وهذا غير ممكن.
دليل الحنفيّة:
أجاب الحنفيّة عن الجمهور بأن ما ذكرتم صحيح لو قلنا بلحوق الحط والزيادة بالعقد مع بقاء العقد على حاله، ولكن ليس الأمر كذلك، إذ البائع والمشتري بالحط والزيادة غيَّرا العقد بتراضيهما من صفة إلى صفة، غيَّراه من كونه بذلك المقدار الذي كان قبل الحط أو الزيادة إلى كونه بالمقدار الذي آل إليه بعد الحط أو الزيادة. يقول الحنفيّة: الشرع يجيز للعاقدين تحويل العقد من صفة إلى صفة باختيارهما، بل يجيز لهما تحويله من وجوده بعد تحققه إلى إعدامه أو العكس، وذلك حين إسقاط الخيار أو إلحاقه والأخذ به. فالأولى إذًا أن يثبت لهما تغييره من وصف كونه مربحًا لأحد المتعاقدين إلى صفة كونه خاسرًا، أو من صفة كونه مربحًا للبائع مقدارًا إلى كونه مربحًا مقدارًا أكبر أو أقلَّ، وذلك بالحطّ والزيادة.
(1) المهذّب للشيرازي: 1/289، المغني لابن قدامة: 6/267، مواهب الجليل للحطّاب: 4/491، الذخيرة للقرافي: 5/175، اللباب للغنيمي: 2/36.