ولكن - من وجهة نظري - / لما كانت تلك المنافع متفاوتة في أهميتها من إنسان إلى إنسان ، فثمنيتها تكون غير منضبطة ، فلا تجعل [ سببًا ] ولا [ علة ] للتملك ، ولا محلًا للإعتياض لعدم الانضباط ، فأقيم المنضبط مكانها دفعًا للجهالة ، وهو من باب ... إقامة السبب مقام المسبب ، ولجعل الأحكام تجري في مضمار واحد ، وفي سياق متسق . فكما أن الشارع الحكيم يعتدُّ بالنية ، بل عليها مدار أحكامه - وهذا أمر معلوم لا مراء فيه - فقد جعل الوصول إليها - وهي غير ظاهرة - وبالتالي يؤدي عدم ظهورها إلى عدم انضباط الحكم ، فأقام الظاهر المنضبط مقامها ، وهو بذلك لا يدعو إلى إلغائها ، بل ذلك هو عين اعتبارها .
وحينما يقيم الشارع الحكيم ألفاظ العقود للدلالة على اتِّجاه نية المتعاقدين إلى الارتباط التعاقدي ، ويقيم الآلة لمعرفة نية الفاعل ، والتفرقة بين: العمد والخطأ ، والمباشرة والتسبب ، فهو بذلك يقيم شيئًا مقام شيء .
وكذا فعله في اكتمال [ أهلية الأداء ] ، فأقام السن [ العمر ] لمنح الناقصة منها في سن السابعة ، وجعل البلوغ سببًا لمنح الكامل منها ، باعتباره أمارة اكتمال العقل ، وأناط البلوغ نفسه بالظواهر الجسمانية وهو [ البلوغ ] ، فإن تخلفت الظواهر الجسدية فإنه يقيم السن [ العمر ] مقامها ، انقلابًا من ظاهر منضبط إلى ما هو أظهر ، وقد قدَّر الفقهاء السن اللازم للبلوغ تبعًا لمناطقهم وبقاعهم ، فما اختلافهم في سن البلوغ إلاَّ بسبب المكان ، وهذا يدلل لنا جواز [ اختلاف الأحكام تبعًا لتغيُّر المكان ] [1] ، وهذا فيما كان مبنيًَّا على الواقع ، أو العرف ، أو على الملاحظة لواقعٍ معلوم .
(1) يمكننا جعلها قاعدةً فقهيةً عامَّةً ، كما في صنوهاقاعدة: [ لا ينكر تغيُّر الأحكام بتغيُّر الأزمان ] - المادة [ 39 ] من مجلة الأحكام العدلية - .