بل ... كون أنْ للمنفعة وجودًا ملموسًا ، وجواز أن يكون لها بدلًا معلومًا ، مما أشار إليه القرآن الكريم ، في قوله تعالى: { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيُّهم أقرب لكم نفعا إن الله كان عليمًا حكيما } [1] ، ويقول الإمام الآلوسي رحمه الله في تفسيرها:
[ فكأنه قال: إن عقولكم لا تحيط بمصالحكم ، فلا تعلمون من أنفع لكم ، من يرثكم من أصولكم وفروعكم ، في عاجلكم وآجلكم ، فاتركوا تقدير المواريث بالمقادير التي تستحسنونها بعقولكم ، ولا تعمدوا إلى تفضيل بعض وحرمانه ... ، والنفع على هذا - وما يزال الكلام للآلوسي - أعم من الدنيوي والأخروي . وانتفاع بعضهم لبعض يكون بالإنفاق عليه، والتربية له ، والذبِّ عنه .. مثلًا ، وانتفاعهم في الآخرة يكون بالشفاعة ... ] [2] .
قلت / فالمنفعة في تعبير القرآن واستعماله ، شملت ما اعتيض عنها بمال .. وبغيره ، فما قُصدت الأشياء في يوم ما لذاتها .. بل لمنافعها ، ومنافعها اعتيض عنها بما يقوم به المحل الذي هو وسيلة لسبب الاعتياض ، فقوله تعالى عن الخمر والميسر: { ... وإثمهما أكبر من نفعهما ... } ، فان النفع ليس في ذات تملِّك الخمرة ، بل في شربها وصولًا إلى منفعتها: كالحمرة ، وصفاء البشرة ، والتحلي بالشجاعة ، والكرم ، وقوة الباه ... الخ ، وكذا الحال في كل عينٍ تُطلب ، فلا تُطلب إلاَّ لمنفعتها ، وجعلت لتلك المنافع أثمان .
(1) النساء / 11 .
(2) روح المعاني - 4 / 228 .