الصفحة 8 من 82

فإذا كانت المنخنقة ميتة باعترافه فكيف لا تكون الدجاجة المفتولة العنق ميتة؟ وفتل العنق والخنق شقيقان؛ لأن معناهما واحد عقلًا وحسًا ومشاهدة، وهذا أيضًا بإقرار ابن العربي نفسه حيث قال: (المنخنقة هي التي تخنق بحبل بقصد أو غير قصد أو غير حبل) (32) .

فاتضح مما تقدم تناقض ابن العربي (33) وغرابة فتواه، ولذلك لم يذكرها القرطبي في تفسيره وهو ممن نقل جُلّ كلام ابن العربي، ولم يقل بها أحد من العلماء قبله (34) ، ولا وجه لما قاله الشيخ رشيد رضا من أن جواز أكلها مذهب جماهير المسلمين، ولا لما قاله الشيخ القرضاوي مِنْ أنه مذهب فقهاء المالكية، بل صرحوا بعكس ما قاله تمامًا، يقول الباجي: (وإذا علمت أن مَنْ دينه النصرانية ممن يستبيح الميتة فلا تأكل من ذبيحته إلا ما شاهدت ذبيحته؛ ووجه ذلك أنه إنما يستباح من ذبيحته ما وقع على وجه الصحة، والمسلم أصح ذبيحة وهذا حكمه، فإذا علم أنه ربما قتل الحيوان على الوجه الذي لا يبيج أكله وجب الامتناع من أكل ما مات على يده من الحيوان إلا أن يعلم أن ذكاته وجدت منه على وجه الصحة) (35) .

وقد ساق ابن العربي في المسالك هذا الكلام نفسه وأقره (36) ، ونص في موضع آخر على أن من شرط الذابح غير المسلم أن يكون كتابيًا، وأن يكون عارفًا بالذبح وشروطه؛ لأنه إن لم يكن عارفًا بالذبح آلمَ الحيوان وحرم الأكل منه

زبدة القول:

والخلاصة: أن ذبيحة الكتابي لا يحل منها إلا ما كان بذكاة صحيحة معتبرة شرعًا، وأن ما كان منه بفتل العنق أو الصدمة الكهربائية أو ضرب الرأس وغيره فهو ميتة لا يحل أكله بوجه من الوجوه، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لا ينبغي للمسلم أن يتخذ أهل الكتاب ذباحين؛ لأن في ذلك موالاة لهم كما نبه على ذلك ابن عبد البر وغيره (38) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت