وردوا على استدلاله بأن أحبارهم يصدقون في قولهم أن ذلك من طعامهم ـ بأن أهل الكتاب لا يُصدّقون ولا يُكذّبون كما ورد في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم) (27) . قال ابن حجر: (لم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بخلافه؛ نبه على ذلك الشافعي ـ رحمه الله ـ) (28) ، وقد أجمع العلماء على أن شرع من قبلنا لا يجوز العمل به إذا كان شرعنا مخالفًا له (29) ؛ وبهذا يتضح أن دعوى ابن العربي أن كل ما يراه أهل الكتاب في دينهم فهو حلال لنا إلا ما كذبهم الله فيه، معارضة للنصوص والإجماع الدال دلالة قطعية على تحريم العمل بما يرونه في دينهم إذا كان مخالفًا لشريعتنا، وعلى فرض تصديقهم، فلا وجه لتصديقهم في أن المنخنقة ومسلولة العنق والموقوذة المضروبة في الرأس بشاقور مثلًا حلال عندهم، وعدم تصديقهم في أن الميتة والخنزير حلال عندهم، وما فرق به من أن الله قد كذبهم في الخمر والخنزير دون المضروبة بشاقور مثلًا وما ذكر معه لا يصح؛ لأنه إن عني أن الله كذبهم في أخبارهم بحلّيتها، فليس في القرآن ولا في الأحاديث شيء من ذلك، وإن عني أن الله كذبهم بقوله: (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ ) ) [المائدة: 3] ، فهذه مصادرة؛ لأن الله قد كذبهم فيما زُعِمَ أنهم يصدقون فيه؛ لأنها إما منخنقة أو موقوذة، وقد ذكر الله حرمة كل واحدة منهما في الآية نفسها (30) .
وقد اعترف بهذا ابن العربي فقال في الأحكام: (وأما قولهم: إن الله حرم غير ذلك كالمنخنقة وأخواتها فإن ذلك داخل في الميتة؛ وشرح ما يستدرك ذكاته مما تفوت ذكاته لئلا يُشْكل أمرها ويُمزَج الحلال بالحرام في حكمها) (31) .