الصفحة 4 من 82

تقدم إجماع العلماء على أن ذبائح أهل الكتاب لا تحل إلا إذا ذكيت بالطريقة التي تتم بها الذكاة عند المسلمين، وذلك بقطع الودجين والحلقوم والمريء. واضطرب كلام ابن العربي في هذه المسألة، فذكر في موضع من الأحكام الكبرى أن الجائز هو ما يعتقدونه في شريعتهم حلالًا لهم إلا ما حُرّم علينا كالخنزير، وكانت ذكاته مقبولة عند المسلمين، فقال: (فإن قيل: فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس؟ فالجواب: أن هذه ميتة وهي حرام بالنص؛ وإن أكلوها فلا نأكل نحن، كالخنزير؛ فإنه حلال لهم ومن طعامهم وهو حرام علينا) (16) ، فوافق بهذا جمهور أهل العلم. واختار في موضع آخر أكلها كيفما كانت تذكيتها فقال: (وقوله تعالى:(( أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم.. ) ) [المائدة: 4] إلى قوله: (( أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ ) ) [المائدة: 5] . دليل قاطع على أن الصيد وطعام أهل الكتاب من الطيبات التي أباحها الله ـ عز وجل ـ وهو الحلال المطلق، وإنما كرره ـ سبحانه ـ ليرفع الشكوك ويزيل الاعتراضات، ولكن الخواطر الفاسدة هو التي توجب الاعتراضات وتخرج إلى تطويل القول. ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها هل يؤكل معه أو تؤخذ طعامًا منه؟ فقلت: تؤكل؛ لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عنده، ولكن الله أباح طعامهم مطلقًا، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا وفي ديننا إلا ما كذبهم الله ـ سبحانه ـ فيه) (17) .

وقد لاحظ البعض على هذا الكلام ما يلي:

1-أن قوله في الموضع الأول: (فإن قيل فما أكلوه على غير وجه...) غير موجود في الأحكام الصغرى له، ولا في غيرها من كتبه، وغير موجود في إحدى النسخ الخمس المخطوطة لأحكام القرآن الكبرى كما نبه على ذلك محمد علي البجاوي ومحمد عبد القادر عطا، مما جعل البعض يعتبر الكلام مدسوسًا عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت