وقد أجاب عن هذا الحنفية بأن هناك فرق بين الحمام والمسجد؛ إذ الحمام مأذون في دخوله بإذن المالك فهو غير حرز من المأذون له في الدخول وأما المسجد فلم يتعلق إباحة دخوله بإذن آدمي فصار كالمفازة والصحراء , فإذا سرق منه وهناك حافظ له قطع. (1)
نوقشت أدلة أصحاب الرأي الثالث بما يلي:
ـ بأن القول بقطع السارق يخالف معنى الحرز واشتراط النصاب.
الرأي الراجح
بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم ومنا قشة ما أمكن مناقشته منها،فما تطمئن النفس إلى ترجيحه ، هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من قطع السارق من الحمام إذا كان مع المتاع من يحفظه , وذلك لقوة أدلتهم , وأنه ليس اعتبار الإذن بالدخول مبيحًا لسرقة الشيء المحرز فبالحرز صار المأذون له ممنوعا من أخذ هذا الشيء , فكأنه أذن له في كل شيء إلا هذا , أما إذا لم يكن ثمة حافظ فلا قطع على السارق لشبهة الإذن.
المسألة الحادية عشر: سرقة ما يتسارع إليه الفساد.
* سبب الخلاف:
يرجع خلاف الفقهاء في هذه المسألة إلى اختلافهم في المفهوم من النصوص ، فقد ورد حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (("سئل عن الثمر المعلق فقال:"من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ,ومن أخرج منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة, ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع"[ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة") ). (2)
فرأى الحنفية ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسقط القطع عن سارق الثمار من الشجرة؛ لأن الثمر يتسارع إليه الفسادلرطوبته ,وأوجبه على سارقه من الجرين ليبسه بحيث لا يتسارع إليه الفساد فجعلوه أصلا في كل ما نقصت ماليته بإسراع الفساد إليه , وأما الجمهور فمدار التعليل عندهم عدم الحرز المكاني لا على اليبس والرطوبة. واختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى ما يلي: ـ
(1) أحكام القرآن للجصاص 4/68.
(2) صحيح:سبق تخريجه ص 213.