الادعاء بأن له فيه حق التعلم مردود, إنما حق المتعلم في التلقين فقط , لا في مصحف الناس أصلا , إذ لم يوجبه قرآن , ولا سنة , ولا إجماع. وإنما فرض على الناس تعليم بعضهم بعضا القرآن - تدريسا وتحفيظا - وهكذا كان جميع الصحابة - رضي الله عنهم - في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلا خلاف من أحد , أنه لم يكن هنالك مصحف , وإنما كانوا يلقنه بعضهم بعضا , ويقرئه بعضهم بعضا , فمن احتاج منهم أن يقيد ما حفظ كتبه في الأديم , وفي اللخاف , والألواح , والأكتاف فقط. فبطل قوله"إن للسارق حقا في المصحف"وصح أن لصاحب المصحف منعه من كل أحد , إذ لا ضرورة بأحد إليه. (1)
وقد أجيب عن هذا:
ـ سلمنا بأن الصحابة كان يلقن بعضهم بعضًا، ولا نسلم أنه ليس للسارق حق فيه , إذ حقه ـ كما تقولون ـ في التلقين , والتلقين يكون بالمكتوب , إذ المصحف لا يطلق عليه مصحف إلا بالمكتوب فيه , والسارق له حق في ذلك ـ كما قلتم ـ فأورث ذلك شبهة , والحدود تدرأ بالشبهات.
مناقشة أدلة الرأي الثاني والثالث:
أنه يجب صون المصحف عن أن يكون في معنى السلع المبتذلة بالبيع والشراء , وقياس القطع في ورق المصحف إذا لم يكن مكتوبًا فيه ، على ما كتب فيه، قياس مع الفارق؛ لأن قطع يد السارق بسرقة الورق قبل الكتابة فيه لا يورث شبهة حينئذ؛لأن المقصود به الأوراق , وهي متمولة , أما بعد الكتابة فقد أورث ذلك شبهة في أنه أخذ للقراءة.
الرأي الراجح
بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم ومنا قشة ما أمكن مناقشته منها يظهر ما يلي: ـ
ـ أن استدلالا ت الفقهاء جميعا ًمن المعقول أو أخذًا بالعموم.
ـ أن ما قال به الحنفية (, ومن وافقهم من عدم القطع مطلقًا رأي له وجاهته , ولكنه لا يستقيم إذا كان على المصحف حلي يبلغ نصابًا؛إذ السرقة حينئذ تكون للحلية والمصحف تبع له , والشبهة هنا غير معتبرة؛ إذ أنها شبهة ضعيفة , وليست كل الشبه مسقطة للحد.
(1) المحلى:12/325 وما بعدها.