الأولى: أن عموم الآية التي استدلوا بها مخصص بالأحاديث الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا حجة لهم فيه وذلك أن الآية لما نزلت قال - صلى الله عليه وسلم - ذلك على ظاهر ما نزل ثم أعلمه الله أن القطع لا يكون إلا في ربع دينار فكان بيانا لما أجمل فوجب المصير إليه (1) ، ثم إن الآية مطلقة في جنس المسروق وقدره، والحديث بيان لها والمراد من حديث البيضة الإخبار بتحقير شان السارق وخسارة مربحه من السرقة، وهو أنه إذا تعاطى هذه الأشياء الحقيرة وصار ذلك خلقًا له، جرأه ذلك على سرقة ما هو أكثر من ذلك مما يبلغ قدره ما يقطع به، فليحذر هذا القليل قبل أن تملكه العادة فيتعاطى سرقة ما هو أكثر من ذلك، (2) أو أن المراد به المبالغة في التنفير من السرقة وجعل ملا قطع فيه بمنزلة ما فيه القطع، أو انه محمول على بيضة الحرب وحبل المتاع. (3)
الثانية:سلمنا بحمل اللفظ على حقيقته , ولكن في اسم السرقة ما ينبئ عن صفة الإحراز فصار كون المال محرزا شرطا بالنص , وشرائط العقوبة يراعى وجودها بصفة الكمال لما في النقصان من شبهة العدم , والإحراز إنما يتم في المال الخطير دون الحقير، فالقليل لا يقصد الإنسان إحرازه عادة, وإليه أشارت عائشة ـ رضي الله عنها ـ في قولها" (( كانت اليد لا تقطع على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشيء التافه(4) ")). (5)
ويحتمل أن يكون معناه القليل حقيقة؛ لأن مقدار ما تقطع فيه يد السارق في جناية يده قليل. (6)
ـ أن هذا كان في الابتداء لزيادة التغليظ والتشديد ثم انتسخ بالآثار المشهورة باعتبار النصاب في المسروق (7)
(1) شرح النووي:11/181، فتح الباري:12/84.
(2) فتح الباري:12/84.
(3) سبل السلام:4/18، نيل الأوطار: 7/127، الحاوي الكبير: 13/273.
(4) سبق تخريجه ص 219 .
(5) المبسوط: 9/139.
(6) الاستذكار:7/536.
(7) المبسوط: 9/137.