وقد أجيب عن هذا: بأن تخصيص التقييد بالجملة الأخيرة دون ما قبلها مع كون الكلام واحد في واقعة شرعية من متكلم واحد، خلاف ما تقتضيه لغة العرب، وأولوية الجملة الأخيرة المتصلة بالقيد بكونه قيد لها لا تنفي كونه لما قبلها، غاية الأمر أن تقييد الجملة الأخيرة بالقيد المتصل بها أظهر من تقييد ما قبلها؛ ولهذا كان مجمعًا عليه، وكونه أظهر لا ينافي كونه فيما قبلها ظاهرًا. (1)
ـ أن الصحيح رجوعه إلى الجميع لغة وشريعة , أما لغة فلأن الواو للجمع ،قال تعالى: { فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون } فصار الجميع كأنه مذكور معا لا تقدم لواحد منهما على الآخر , فلما أدخل عليه الاستثناء لم يكن رجوع الاستثناء إلى شيء من المذكور بأولى من رجوعه إلى الآخر ; إذ لم يكن لتقديم بعضها على بعض حكم في الترتيب , فكان الجميع في المعنى بمنزلة المذكور معا , فليس رجوع الاستثناء إلى سمة الفسق بأولى من رجوعه إلى بطلان الشهادة والحد,ولولا قيام الدلالة على أنه لم يرجع إلى الحد لاقتضى ذلك رجوعه أيضا وزواله عنه بالتوبة. (2)
وقد اعترض على هذا: بأن (الواو) قد تكون للجمع على ما ذكرت وقد تكون للاستئناف , وهي في قوله: { وأولئك هم الفاسقون } للاستئناف ; لأنها إنما تكون للجمع فيما لا يختلف معناه وينتظمه جملة واحدة فيصير الكل كالمذكور معا ,..وأما آية القذف فإن ابتداءها أمر وآخرها خبر , ولا يجوز أن ينتظمهما جملة واحدة ; فلذلك كانت (الواو) للاستئناف ; إذ غير جائز دخول معنى الخبر في لفظ الأمر. (3)
وأجيب عن هذا:
(1) جريمة القذف وعقوبتها في الفقه الإسلامي:159.
(2) أحكام القرآن للجصاص:3/407.
(3) أحكام القرآن للجصاص: 3/407 باختصار وتصرف.