وجه الدلالة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبطل شهادة المحدود , فظاهره يقتضي بطلان شهادة سائر المحدودين في حد قذف أو غيره ; إلا أن الدلالة قد قامت على جواز قبول شهادة المحدود في غير القذف إذا تاب مما حد فيه , ولم تقم الدلالة على المحدود في القذف , فهو على عموم لفظه تاب أو لم يتب ; وإنما قبلنا شهادة المحدود في غير القذف إذا تاب لأن بطلان شهادته متعلق بالفسق فمتى زالت عنه سمة الفسق كانت شهادته مقبولة , والدليل على ذلك أن الفعل الذي استحق به الحد من زنا أو سرقة أو شرب خمر قد أوجب تفسيقه قبل وقوع الحد به , فلما لم يتعلق بطلان شهادته بالحد كان بمنزلة سائر الفساق إذا تابوا فتقبل شهاداتهم , وأما المحدود في القذف فلم يوجب القذف بطلان شهادته قبل وقوع الحد به لأنه جائز أن يكون صادقا في قذفه , وإنما بطلت شهادته بوقوع الحد به فلم تزل ذلك عنه بتوبته. (1)
أما المعقول فمن جهتين:
الأولى: أن التوبة لا تسقط الحد , ولم يرجع الاستثناء إليه , فوجب أن يكون بطلان الشهادة مثله؛ لأنهما جميعا أمران قد تعلقا بالقذف , فمن حيث لم يرجع الاستثناء إلى الحد وجب أن لا يرجع إلى الشهادة. (2)
الثانية: أن كل كلام حكمه قائم بنفسه، وغير جائز تضمينه بغيره إلا بدلالة ،و في حمله على ما ادعاه المخالف تضمينه بغيره وإبطال حكمه بنفسه , وذلك خلاف مقتضى اللفظ. (3)
المناقشة
مناقشة أدلة الرأي الأول: وقد نوقش دليلهم من الكتاب بما يلي:
ـ أن الاستثناء في الآية يرجع إلى أقرب مذكور وهو الفسق خاصة، ولا يرجع إلى جميع ما تقدم بما فيها قبول الشهادة؛ لأن من جملة ما ذكر جلد القاذف وهو لا يرتفع بالتوبة مطلقًا.
(1) أحكام القرآن للجصاص:3/411 وما بعدها.
(2) أحكام القرآن للجصاص:3/409.
(3) أحكام القرآن للجصاص:3/407.