اتفق الفقهاء (1) على أن القاذف بعد الحد إذا لم يتب لا تقبل شهادته، وأن هذا من تمام الحد؛لأنه يتحقق بالجلد عقوبة بدنية، وعدم قبول شهادته ـ قبل توبته ـ عقوبة معنوية، وذلك لقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (2) واختلفوا فيما إذا تاب حد أو لم يحد، أتقبل شهادته في كل شيء، أم لا تقبل في شيء أصلًا؟ أم تقبل في شيء وتُرًدُّ في شيء.
ويرجع سبب الخلاف إلى الاختلاف في تفسير قوله تعالى: { . وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا.. } (3) فالذين قالوا: لا تقبل شهادته جعلوا الاستثناء من الحكم بالفسق، والذين قالوا: إنها تقبل جعلوا الاستثناء من النهي عن قبول الشهادة والحكم بالفسق.. (4)
قال ابن كثير (( 5) :"واختلف العلماء في هذا الاستثناء هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط فترفع التوبة الفسق فقط ويبقى مردود الشهادة دائما وإن تاب ، أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالث؟ (6) "
أقوال الفقهاء
* الرأي الأول:وهو للمالكية (7) والشافعية (8) والحنابلة (9) والظاهرية. (10)
ويرون أن القاذف إذا تاب بعد الحد قبلت شهادته.
أما قبل الحد، فالمالكية قالوا:بعدم سقوط شهادته أصلًا قبل الحد، أما بعد الحد فتسقط الشهادة، وتقبل إذا تاب ،أما الشافعية فالشهادة عندهم تسقط بمجرد القذف لا بإقامة الحد.
(1) مراتب الإجماع:220، بداية المجتهد:6/141.
(2) النور آية 4.
(3) النور آية 4.
(4) تكملة المجموع للمطيعي:22/101.
(5) تفسير ابن كثير:12/154.
(6) تفسير القرطبي:12/181.
(7) المدونة الكبرى:4/403، بداية المجتهد:6/141.
(8) الروضة الندية:2/609، تكملة المجموع:22/99.
(9) المغني:9/197 ط /دار البصائر.
(10) المحلى:8/529.