الجهة الثانية: أن حقوق الله - سبحانه وتعالى -مبنية على القصاص والمساواة؛لقوله تعالى: { . فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ.. } (1) ولا مناسبة بين النسبة للزنا وبين ثمانين جلدة لا صورة ولا معنى، فمشروعيه الحد لتعفيه أثر الزنا وحرمة إشاعة الفاحشة، وهذا من حقوق الله - سبحانه وتعالى -.
و نوقش دليلهم الثالث من المعقول:
ـ بأنه لو عفا عن القصاص يصير إلى بدل، أما القذف فلا يصير إلى بدل.
و نوقش دليلهم الرابع من المعقول:
ـ بأنه لا نخالف أن فيه حق للعبد؛لذا اعتبرت فيه خصومته، أما كونه لا يعمل فيه الرجوع عن الإقرار؛ فلأن الخصم مصدق له في الإقرار مكذب له في الرجوع بخلاف ما هو محض حق الله تعالى ,فليس هناك من يكذبه، ففيه حق لله وحق للعبد؛ لأنه إنما يملك إسقاط ما تمحض حقا له، فأما حق الله تعالى لا يملك إسقاطه. وإن كان له فيه حق؛ كالعدة , فإنها لا تسقط بإسقاط الزوج لما فيها من حق الله تعالى. (2)
الرأي الراجح
بعد عرض آراء الفقهاء و أدلتهم فالرأي الراجح منها هو ما ذهب إليه المالكية من القول بجواز العفو ما لم يصل الأمر إلى الإمام؛ فإذا وصل فلا عفو وذلك لأن قياس القذف على سائر الحدود في جواز العفو عنها ما لم تبلغ السلطان؛ يؤيد هذا القول قوله - صلى الله عليه وسلم -"تعافوا الحدود فيما بينكم." (3) .
وأما ما قاله ابن حزم ( فمحمول على إذا ما وصل الأمر إلى الإمام، فأما قبل ذلك فهو كسائر الحدود.
المسألة السادسة:توبة المحدود في القذف.
تحرير محل النزاع و سبب الخلاف:
(1) البقرة من الآية 194.
(2) المبسوط:9/110 بتصرف يسير.
(3) صحيح: سبق تخريجه ص 170