ونستطيع أن نقول من خلال النظر في بعض تلك المؤلفات التي عثرنا عليها: إن الجهود في هذا الفن تتالت على مرور الأيام، وإن ظل بعضها مقصورًا وعالة على ما سبقها من الجهود في القرن الثامن الهجري، خاصة عند الشافعية.
ويبدو أنه رقى النشاط التدويني لهذا العلم في القرن العاشر الهجري حيث جاء العلامة السيوطي (910هـ) ، وقام باستخلاص أهم القواعد الفقهية المتناثرة المبددة عند العلائي والسبكي والزركشي وجمعها في كتابه"الأشباه والنظائر"، كما قام العلامة أبو الحسن الزقاق التَُجَيبي المالكي (912هـ) بنظم القواعد الفقهية بعد استخراجها وإفرازها من كتب السابقين مثل الفروق للقرافي وكتاب القواعد للمقري.
وكذلك العلامة ابن نجيم الحنفي (970هـ) ألف على طراز ابن السبكي والسيوطي كتابه الأشباه والنظائر"."
الطور الثالث: طور الرسوخ والتنسيق:
قد علمنا فيما مضى بعد التقصي والاستقراء أن القواعد الفقهية دارت في أول نشأتها على ألسنة المتقدمين من كبار التابعين وأئمة الاجتهاد، ثم تناقلها تلاميذهم، والفقهاء الذين تبعوهم، وهم يعملون الفكر فيها وينقحونها، ويزيدون فيها، وينقصون منها، إلى أن جرى تدوينها واتضحت معالمها.
... لكن القواعد على الرغم من تلك الجهود المتتابعة الكثيرة ظلت متفرقة ومبددة في مدونات مختلفة.وتضمنت تلك المدونات بعض الفنون الفقهية الأخرى مثل الفروق والألغاز، وأحيانًا تطرقت إلى بيان بعض القواعد الأصولية، فلم يستقر أمرها تمام الاستقرار إلى أن وضعت مجلة الأحكام العدلية على أيدي لجنة من فحول الفقهاء في عهد السلطان الغازي عبد العزيز خان العثماني في أواخر القرن الثالث عشر الهجري ليعمل بها في المحاكم التي أنشئت في ذلك العهد.