وفيه: (إنَّما مثلك ومثل أمتك، كمثل ملك اتخذ دارًا...) [1] .
تمثيل ضرب فيه الملائكة له المثلَ بالله والدار والبيت والمائدة.
وفيه فائدتان:
(إحداهما) : أنَّ الله تعالى ضرب المثل تارةً بالطريق إلى الإسلام، وتارة بالدار، والمعنى متقارب؛ لأنَّ الطريق سبب إلى الدار، والدار مشتملة على البيت، والبيت يحوي المائدة، وكل مقصود في المنفعة والبيت.
(الثانية) أنَّه جعل المقصود المائدة، وهو ما يؤكل ويشرب ردًا على الصوفية الذين يقولون لا مطلوب في الجنة إلاَّ الوصال، نعم لا وصال لنا إلا باقتضاء الشهوات الجسمانية والنفسانية والمعقولة والمحسوسة وفي الجنة جماع ذلك [2] .
عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (مثل أمَّتي مثل المطر لا يدرى أوَّله خير أم آخره) [3] .
وجه الحديث: أنَّ معظم مقاصد الشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحفظ القانون الذي تقوم به رئاسة الدين لسياسة العالمين فرض دائم إلى يوم القيامة، وتكثر المناكر آخر الزمان ويقل المغيرون لها، ويذهب المعروف ويعدم الداعي إليه والآمر به، فإذا قام واحدٌ بها فله أضعاف ما كان للصحابة من الأجر في هذه الخصلة وحدها، ويفضلون الخلق بسائر الخصال العظيمة التي نظامها الصحبة الكريمة ومشاهدة الغرة الزاهرة وتلقي الأخلاق الطاهرة، يشهد له قوله: (المتمسك بدينه عند فساد الناس كالقابض على الجمر) . والله أعلم.
ويحتمل أن يكون المعنى: أنَّ الناظر إلى ظاهر أوَّل هذه الأمة وآخرها تتقارب أوصافهم وتتشابه أفعالهم لا يحكم بالتفضيل بينهم دون النظر إلى الباطن. والأوَّل أصح [4] .
(1) سنن الترمذي 4/223، (3020) ، أدب [76] .
(2) عارضة الأحوذي 10/297، 298.
(3) سنن الترمذي 4/229، 03030)، أدب [81] . المسند 3/130، 143، 4/319. الإحسان 9/176، عن عمار بن ياسر.
(4) عارضة الأحوذي 10/318.