وقال غيره: عابر السبيل هو المار على الطريق طالبًا وطنه، فالمرء في الدنيا كعبد أرسله سيده في حاجة إلى غير بلده، فشأنه أن يبادر بفعل ما أرسله فيه ثم يعود إلى وطنه ولا يتعلق بشيء غير ما هو فيه.
وقال غيره: المراد أن ينزل المؤمن نفسه في الدنيا منزلة الغريب فلا يعلق قلبه بشيء من بلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه، ويجعل إقامته في الدنيا ليقضي حاجته وجهازه للرجوع إلى وطنه، وهذا شأن الغريب، أن يكون كالمسافر لا يستقر في مكان بعينه، بل هو دائم السير إلى بلد الإقامة [1] .
وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أَدَم وحَشْوه ليف [2] .
عن علقمة عن عبد الله قال: (نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حصير فقام وقد أثّر في جنبه فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وِطاء؟ فقال: مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلاَّ كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) حديث صحيح [3] . نقله الحافظ وعزاه لأحمد وأبي داود الطيالسي عن ابن مسعود [4] .
هذا الحديث يدل على حقيقة الدنيا، وأنَّه مهما ظنّ الإنسان أنَّها طويلة وأنَّ العمر ما زال طويلًا، إنَّما ذلك وهم؛ وسيجد نفسه ولو بعد حين أن العمر ليس إلاَّ قصيرًا مثل القدر الذي يستريح فيه الإنسان المسافر، ثم يذهب ويترك هذا المكان إلى مكان آخر، كما أنَّه سيترك الدنيا بالموت والمصير إلى مكان آخر هو الآخرة.
(1) الفتح 11/234، 235.
(2) صحيح البخاري 11/282، (6456) .
(3) سنن الترمذي 4/17، (2483) ، الزهد [31] ، جه/زهد [3] ، المسند 1/301. الإحسان 8/91، عن ابن عمر.
(4) الفتح 11/292.