الصفحة 27 من 44

قال الطيبي: ليس (( أو ) )للشك، بل للتخيير والإباحة، والأحسن أن تكون بمعنى بل، فشبه الناسك السالك بالغريب الذي ليس له مسكن يأويه ولا مسكن يسكنه، ثم ترقى وأضرب عنه إلى عابر السبيل؛ لأنَّ الغريب قد يسكن في بلد الغربة بخلاف عابر السبيل القاصد لبلد شاسع وبينهما أودية مردية ومفاوز مهلكة وقطاع طريق، فإنَّ من شأنه أن لا يقيم لحظة ولا يسكن لمحة، ومن ثمَّ عقبه بقوله: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح...) ، وبقوله: (وعدّ نفسك في أهل القبور) والمعنى: استمر سائرًا ولا تغتر، فإنَّك إن قصرت انقطعت وهلكت في تلك الأودية، وهذا معنى المشبه به، وأمَّا المشبه فهو قوله: (وخذ من صحتك لمرضك) أي: إنَّ العمر لا يخلوا عن صحة ومرض، فإذا كنت صحيحًا فسر سير القصد وزد عليه بقدر قوتك ما دامت فيك قوة بحيث يكون ما بك من تلك الزيادة قائمًا مقام ما لَعلَّه يَفُوت حالة المرض والضعف [1] .

قال ابن بطال: لما كان الغريب قليل الانبساط إلى الناس، بل هو مستوحش منهم؛ إذ لا يكاد يمر بمن يعرفه مستأنس به؛ فهو ذليل في نفسه خائف، وكذلك عابر السبيل لا ينفذ بسفره إلاَّ بقوته عليه وتخفيفه من الأثقال، غير متثبت بما يمنعه من قطع سفره، معه زاده وراحلته يبلغانه إلى بغيته من قصده، شبهه بهما، وفي ذلك إشارة إلى إيثار الزهد في الدنيا وأخذ البلغة منها والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل.

وقال غيره: هذا الحديث أصله في الحث على الفراغ على الدنيا والزهد فيها والاحتقار لها والقناعة فيها بالبلغة.

وقال النووي: معنى الحديث: لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنًا ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها، ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه [2] .

(1) الفتح 11/234.

(2) الفتح 11/234.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت