الصفحة 25 من 44

أوضح الحافظ أنَّ هذه الترجمة بعض لفظ حديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن المستورد بن شداد رفعه: (والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع) [1] .

وأورد البخاري حديث سهل بن سعد أنَّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولغدوة في سبيل الله أو روْحة خير من الدنيا وما فيها) [2] .

فإنَّ قدر السوط في الجنة إذا كان خيرًا من الدنيا فيكون الذي يساويها بما في الجنة دون قدر السوط، فيوافق ما دلّ عليه حديث المستورد [3] .

قال القرطبي: هذا نحو قوله تعالى: { قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ } [4] ، وهذا بالنسبة إلى ذاتها، وأمَّا بالنسبة إلى الآخرة فلا قدر لها ولا خطر، وإنَّما أورد ذلك على سبيل التمثيل والتقريب وإلاَّ فلا نسبة بين المتناهي وبين ما لا يتناهى، وإلى ذلك الإشارة بقوله: (فلينظر بم يرجع) ووجهه: أنَّ القدر الذي يتعلق بالإصبع من ماء البحر لا قدر له ولا خطر، وكذلك الدنيا بالنسبة إلى الآخرة.

والحاصل: أنَّ الدنيا كالماء الذي يعلق في الإصبع من البحر، والآخرة كسائر البحر [5] .

قال ابن عطية: المراد بالحياة الدنيا في هذه الآية ما يختص بدار الدنيا من تصرف، وأمَّا ما كان فيها من الطاعة وما لا بد منه مما يقيم الأود ويعين على الطاعة فليس مرادًا هنا.

وقال القرطبي: متاع الدنيا منفعتها والاستمتاع بلذاتها، وسمّاه قليلًا؛ لأنَّه لا بقاء له، وأورد الحديث في ضرب المثل بالراكب الذي استظلّ ثم راح [6] .

(1) صحيح مسلم 17/192،جنّة [55] . صحيح سنن الترمذي 2/270، (2439) ، زهد [15] . ماجه زهد [3] ، مسند أحمد 4/229، 230،

(2) صحيح البخاري 6/85، (2892) ، الجهاد [73] ، و11/213-232، (6415) ، رقاق [2] .

(3) الفتح 11/232، موسوعة أمثال العرب 5/294.

(4) سورة النساء: 77.

(5) الفتح 11/332.

(6) الجامع لأحكام القرآن 5/281، 282.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت