الصفحة 19 من 44

وكما أنَّ الغِيبَة مذمومة في حقِّ الحيَّ، فهي كذلك في حقِّ الميت؛ لأنَّه قد أفضى إلى عمله، وإن كان مخطئًا أو مقصِّرًا أو حدثت منه عبارةٌ غير لائقةٍ أو زلّة لسانٍ فإنَّه لا أحد يعلم هل ختم الله له بالخير، ولا بأس بالتنبيه على موضع الخطأ والسوء، والنصيحة بالحسنى بدون ذكر الإنسان وتعيينه؛ لأنَّ المقصود هو التحذير من الخطأ في قوله، والمسلم المخطئ إذا مات فهو أحوج إلى الدعاء له بالرحمة والمغفرة، وهذا هو أَحد المقاصد من الصلاة على الميت، والأولى بالمسلم أن يستغفر الله لنفسه ولجميع المسلمين الأحياء والأموات، قال تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } [1] .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إنَّما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة) [2] .

والمعنى: لا تجد في مائة من الإبل راحلة تصلح للركوب؛ لأنَّ الذي يصلح للركوب ينبغي أن يكون وطيئًا سهل الانقياد، وكذا لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة بأن يعاون رفيقه، ويلين جانبه [3] .

قال الخطابي [4] : تأولوا هذا الحديث على وجهين: أحدهما: أنَّ الناس في أحكام الدين سواء لا فضل فيها لشريفٍ على مشروفٍ، ولا رفيعٍ على وضيعٍ كالإبل المائة التي لا يكون فيها راحلة وهي التي ترحل لتركب، والراحلة فاعلة بمعنى مفعولة، أي: كلها حمولة تصلح للحمل ولا تصلح للرحل والركوب عليها.

(1) سورة محمد: 19.

(2) صحيح البخاري 11/333، (6498) رقاق [35] . صحيح مسلم 16/101،فضائل [232] . سنن الترمذي، أدب [52] ، المسند 2/7، 44، 70، 88.

(3) الفتح 11/335.

(4) أعلام الحديث 3/2255-2256، موسوعة أمثال العرب 5/507.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت