وبالتأمل في لفظ الحديث يظهر بكلّ وضوح شدّة نصح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته، حيث أكّد لهم أنَّ المسلم مع كونه هو المؤمن بأركان الإسلام والإيمان فهو كذلك لا ينبغي له أن يؤذي المسلمين بأي نوعٍ من الأذى بالبطش والظلم والحسد والمكر والكذب والسب والشتم والهجر في غير محله وبدون القواعد والآداب الواردة في القرآن والسنة، فيجب على المسلم أن يكون حريصًا على كلّ أسباب الودّ والألفة مع أخيه المسلم حتى لو أخطأ خطأً متفقًا عليه يبقى له جميع حقوق الإسلام، ولا يجوز أن يؤذى بأي فحشٍ من غبيةٍ أو بهتانٍ أو التعرض له في المجالس، هذه هي تعاليم القرآن والسنة، وكلّ إنسان مؤاخذ بوزره، ومن تسبب في إيذاء المسلمين بجرحٍ أو تنقيصٍ أو تبديعٍ أو تفسيقٍ أو تشهيرٍ سينال وزر عمله و وزر من تبعه في ذلك،فكيف إذا كان هذا الأذى نابعٌ من اختلاف وجهات النظر، وعدم الاقتناع بما يراه الآخر أو لايهتم به أصلًا، ولا يلقي له بالًا؛ لأنَّ بعض علماء المسلمين يقولون بجوازه، ومن العلم والأدب والعدل أنَّ المرء كما يكره أن يُجْبَرَ على ما يخالفه، فعليه أن يكره أيضًا أن يُجْبِرَ غيره على موافقته، وإلاَّ اتهمهم وشهّر بهم، فالأجدر أن يُسلّم نفسه ويسلِّم الآخرين منه، ولا مانع من النصح بالحكمة والموعظة الحسنة لبيان ما يراه صوابًا.
لقد حث الإسلام أتباعه على اتخاذ جميع أسباب القوة التي من شأنها أن تجعلهم أقوياء قادرين على مواجهة الفتن والمحن، ومن تلك الأسباب: التواضع والتقارب كما في قول الله تعالى: { إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفاًّ كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } [1] ، قيل: مرصوص بالرصاص، وقيل: من رصصت البناء إذا لاءمت بينه وقاربت حتى يصير كقطعةٍ واحدةٍ [2] .
(1) سورة الصف: 4.
(2) الجامع لأحكام القرآن 18/81.