من تأمَّل الحديث يدرك الهدي النبوي والبلاغة في اشتمال الحديث على جوامع الكلم وضرب الأمثال بصورة في منتهى الإيضاح والدقة وبيان المقاصد الحقيقية؛ ممّا يجب على الإنسان من الحذر من الأصحاب والجلساء في كل زمان، وخاصة في هذا الزمن الذي زادت فيه الفتن والحركات والجماعات بمختلف المسميات والصفات، وأصبح من الأسلم أن يقلل الإنسان من الأصحاب، ويتحرى في مجالسة الأخيار أهل التقوى والعلم والأدب والخلق الحسن، ولا يشغل جميع وقته معهم، وإنَّما بالقدر المناسب الذي يحقق الأنس والسعادة، ثم يشغل وقته بالمداومة على قراءة كتاب الله الكريم والحرص على حفظ ما يتيسر، ومطالعة كتب الحديث والتفسير؛ لينفع نفسه ويقف على مقاصد الشريعة.
(كِير الحداد) -بكسر الكاف بعدها تحتانية ساكنة- وحقيقته البناء الذي يركب عليه الزق، والزق هو الذي ينفخ فيه، فأطلق على الزق اسم الكير مجازًا لمجاورته له، وقيل: الكير هو الزق نفسه، وأمَّا البناء فاسمه الكور [1] .
وفي الحديث النهي عن مجالسة أهل الشر وأهل البدع ومن يتأذى بمجالسته في الدين والدنيا [2] ، ومن ذلك مرتكب المعاصي بشتى صورها وخاصة الكبائر، ومن لا يفعل المعروف ولا ينتهي عن المنكر، وصاحب الغيبة والنميمة، ومن عرف بالكذب والبهتان، والتنطع والتشدد، وتفسيق المسلمين، مثل الخوارج ومن كان على شاكلتهم وفكرهم وهواهم وجهلهم وعداوتهم، ومن اشتغل بكشف أخطاء المسلمين وعوراتهم وسبهم وسوء الظنَّ بهم وحسدهم والحقد عليهم وتحقيرهم، وغير ذلك من الأخلاق الذميمة القبيحة.
(1) الصحاح 2/811.
(2) شرح مسلم للنووي 16/178. الفتح 4/324.