(تقتحمون فيها) عند مسلم (فيغلبونّي) النون مثقلة لأنَّ أصله فيغلبونني، والفاء سببية، والتقدير: أنا آخذ بحجزكم لأخلصكم من النار، فجعلتم الغلبة مسببة عن الأخذ.
قال الطيبي: تحقيق التشبيه الواقع في هذا الحديث يتوقف على معرفة معنى قوله تعالى: { ومَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [1] ، وذلك أنَّ حدود الله محارمه ونواهيه، كما في الحديث الصحيح: (ألا إنَّ حِمى الله محارمه) ورأس المحارم حب الدنيا وزينتها، واستيفاء لذّاتها وشهواتها، فشبه - صلى الله عليه وسلم - إظهار تلك الحدود ببياناته الشافية الكافية من الكتاب والسنة باستنقاذ الرجال من النار، وشبه فشو ذلك في مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حول المستوقد، وشبه الناس وعدم مبالاتهم بذلك البيان والكشف، وتعديهم حدود الله وحرصهم على استيفاء تلك اللذات والشهوات ومنعه إياهم عن ذلك بأخذ حجزهم بالفراش التي تقتحمن في النار وتغلبن المستوقد على دفعهنّ عن الاقتحام، كما أنَّ المستوقد كان غرضه من فعله انتفاع الخلق به من الاستضاءة والاستدفاء وغير ذلك، والفراش لجهلها جعلته سببًا لهلاكها، فكذلك كان القصد بتلك البيانات اهتداء الأمة واجتنابها ما هو سبب هلاكهم، وهم مع ذلك لجهلهم جعلوها مقتضية لترديهم.
وفي قوله: (آخذ بحجزكم) استعارة، مثّل حالةَ منعه الأمة عن الهلاك بحالة رجل آخذ بحجزة صاحبه الذي يكاد يهوي في مهواة مهلكه [2] .
(1) البقرة/229.
(2) الفتح 11/319.