وآذاه، فرجع إلى منزله وتدثَّر من شدة ما أصابه، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 1 قُمْ فَأَنذِرْ} (1) [سورة المدثر 74: 1 - 2] .
وذكر عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، قال:"كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"
في المسجد الحرام، فقال أبو جهل: ألا رجل يقوم إلى هذا القذر يلقيه على محمد؟ فانبعث رجل فألقاه عليه، فجاءت فاطمة - رضي الله عنها - فألقته عنه" (2) ."
ومرَّ أبو جهل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند (الصَّفا) ، فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف لأمره (3) .
ولما رأت قريش أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نزلوا بلدًا أصابوا به أمنًا وقرارًا، وأن النجاشي ملك الحبشة قد منع مَنْ لجأ إليه منهم، وأن الإسلام جعل يفشو في القبائل العربية، اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب، على ألا ينكحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا ولا يبتاعوا منهم، فكتبوا ذلك في الصحيفة وتواعدوا وتواثقوا على ذلك أيضًا، ثم علّقوا الصحيفة في جوف (الكعبة) توكيدًا على أنفسهم؛ فاجتمع بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، ودخلوا معه شِعْبَه (4) وأقاموا فيه على ذلك سنتين أو ثلاثًا حتى جهدوا، لا يصل إليهم شيء إلا سرًا (5) .
وكان نفر من قريش يؤذون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته، فكان أحدهم
(1) سيرة ابن هشام 1/ 311.
(2) عيون الأثر 1/ 103.
(3) عيون الأثر 1/ 104.
(4) الشِّعْبُ: انفراج بين الجبلين، (ج) : شِعاب.
(5) سيرة ابن هشام 1/ 371 - 376، وجوامع السيرة 64.