وعداوتهم، ولم يطب نفسًا بإسلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم ولا خذلانه (1) ، ولكنه قال له:"يا ابن أخي! إن قومك قد جاؤوني، فقالوا لي كذا وكذا، فابْقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا تحمِّلني من الأمر ما لا أطيق"، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله أو أهلك دونه، ما تركته" (2) .
وجعل قريش يجلسون بِسُبل (3) الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذَّروه إياه وذكروا له أمره (4) . وأغرى رجال قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم سفهاءهم، فكذّبوه وآذوه، ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مظهر لأمر الله لا يستخفي به، مُبادٍ لهم بما يكرهون من عيب دينهم واعتزال أوثانهم وفراقه إياهم على كفرهم. وطلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا، فوثبوا عليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به يقولون:"أأنت الذي تقول كذا وكذا؟!"، لِمَا كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول:"نعم، أنا الذي أقول ذلك"، فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه، فقام أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - دونه وهو يبكي ويقول:"أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟!" (5) .
وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا، فلم يلقه أحد من الناس إلا كذّبه
(1) خذلانه: تركه. تقول: خذلت الرجل، إذا تركته ولم تنصره.
(2) سيرة ابن هشام 1/ 278.
(3) السبل: جمع سبيل، وهي الطرق.
(4) سيرة ابن هشام 1/ 284.
(5) سيرة ابن هشام 1/ 309 - 311.