فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 322

[المزمل/15، 16] ، وَقَالَ تَعَالَى: { اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) } (1) [الحج/75] .

وَأَمَّا لَفْظُ"الْجُعْلِ"فَقَالَ فِي الْكَوْنِيِّ: { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) (2) } [القصص/41، 42] ، وَقَالَ فِي الدِّينِيِّ: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (3)

(1) - اقْتَضَتْ مَشِيئَةُُ اللهِ تَعَالَى أَنْ يَخْتَارَ رُسُلًا مِنَ مَلاَئِكَتِهٍِ الكِرَامِ ، فِيمَا يَشَاءُ إِبْلاَغَههُ إِلى رُسُُلِهِ مِنَ البَشَرِ ، وَأَنْ يَخْتَارًَ رُسُلًا مَنَ البَشَرِ لإِبْلاَغِ رسَالاَتِه إِلَى النَّاسِ ، فَكَيْفَ تَقْتَرِحُونَ عَلَى مَنْ اخْتَارَهُ اللهُ رَسُولًا إِلَيْكُمْ؟ وَاللهُ سَمِيعٌ لِأَقْوَالِ العِبَادِ ، بَصِيرٌ بِأَحْوَالِهِمْ . عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْهُم أَنْ يَخْتَارَ رُسُلًا مَنَ البَشَرٍ لإِبْلاَغِ رسًَالاَتِه إِلى النَّاسِ ، فَكَيْفَ تَقْتَرِحُونَ عَلَى مَنْ اخْتَارَهُ اللهُ رَسُولًا إِلَيْكُمْ؟ وَاللهُ سَمِيعٌ لأَقْوَالِ العِبَادِ ، بَصِيرٌ بِأْحْوَالِهِمْ . عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْهُم أَنْ يَخْتَارَهُ اللهُ لِحَمْلِ رِسَالَتِهِ .

(2) - وَجَعَلَ اللهُ فِرْعَونَ وَقَوْمَهُ أَئِمَّةً ، يَقْتَدِي بِهِمْ أهلُ العُتُوِّ والكُفْرِ والضَّلاَلِ ، فَهُمْ يَبْحَثُونَ عَن الشُّرُورِ والمَعَاصِي ، التي تُلقِي بِصَاحِبهِا في النَّارِ ، وَكَذَلِكَ جَعَلَ اللهُ تَعَالى مَصِيرَ مَنْ يَتْبَعُهُمْ ، وَيَقْتَدِي بِهِمْ في الكُفْرِ ، وتَكْذِيبِ الرُّسُل مِثْل مَصيرِهِمْ في نَارِ جَهَنَّمَ ، وَلا يَجِدُونَ أَحَدًا يَنْصُرُهُمْ يومَ القِيَامَةِ مِنْ عَذَابِ اللهِ ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيِهِمْ خِزْيُ الدُّنيا ، مُتَّصِلًا بِذُلِّ الآخِرَةِ .

(3) - وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى القُرْآنَ ( الكِتَابَ ) إلَيكَ يَا مُحَمَّدُ بِالحَقِّ وَالصِّدْقِ الذِي لاَ رَيْبَ فِيهِ ، وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، مُصَدَّقًا لِلْكُتُبِ السَّابِقَةِ المُتَضَمِّنَةِ ذِكْرَهُ وَمَدْحَهُ ، وَالإِشَارَةَ إلَى أَنَّهُ مُنْزَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، فَكَانَ نُزُولَهُ كَمَا أَخْبَرْتَ بِهِ مِمَّا زَادَهَا صِدْقًا عِنْدَ حَامِلِيهَا مِنْ ذَوِي البَصَائِرِ ، الذِينَ اتَّبَعُوا أَمْرَ اللهِ وَشَرْعَهُ ، وَصَدَّقُوا رُسُلَهُ .

وَالقُرْآنُ جَاءَ أَمِينًا عَلَى الكُتُبِ السَّابِقَةِ ، وَشَاهِدًا عَلَيْهَا بِالحَقِّ وَالصِّحَّةِ بِمَا بَيَّنَهُ مِنْ حَقِيقَةِ أَمْرِهَا ( مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) ، وَمُبَيِّنًا حَالَ مَنْ خُوطِبُوا بِهَا: مِنْ نِسْيانِ حَظٍّ عَظيمٍ مِنْهَا ، وَتَحْرِيفِ كَثيرٍ مِمَّا بَقِيَ ، أَوْ تَأْوِيلِهِ ، وَالإِعْرَاضِ عَنِ العَمَلِ بِهِ .

وَبِمَا أنَّ الٌرْآنَ جَاءَ رَقِيبًا وَأمِينًا وَشَاهِدًا ( مُهَيْمِنًا ) عَلَى الكُتُبِ السَّابِقَةِ ، التِي أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَى أنْبِيَائِهِ ، فَاحْكُمْ يَا مُحَمَّدُ بَيْنَ أهْلِ الكِتَابِ - إذا تَحَاكَمُوا إلَيكَ - بِمَا أَنْزَلَ اللهُ إليكَ مِنَ الأَحْكَامِ ، دُونَ مَا أنْزَلَهُ اللهُ إلَيْهِمْ ، لأنَّ شَرِيعَتَكَ نَاسِخَةٌ لِشَرِيعَتِهِمْ ، وَلاَ تَتَّبِعَ أهْوَاءَهُمْ وَرَغَبَاتِهِمْ فِي الحُكْمِ لَهُمْ بِمَا يَسْهُلُ عَلَيْهِمْ ، وَيَخفُّ احْتِمَالُهُ .

ثُمَّ يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ أمَّةٍ مِنَ النَّاسِ شَرِيعَةً أوْجَبَ عَلَيهْمِ إقَامَةَ أَحْكَامِهَا ، وَمِنْهَاجًِا وَطَرِيقًا فَرَضَ عَلَيهِمْ سُلُوكَهُ لِتَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمْ ( فَأصْلُ الدِّينِ وَاحِدٌ ، وَلَكِنَّ الشَّرَائِعَ العَمَلِيَّةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوَالِ البَشَرِ ، وَطِبَاعِهِمْ وَاسْتِعْدَادِهِمْ ) .

وَلَوْ شَاءَ اللهُ أنْ يَجْعَلَ النَّاسَ أمَّةً وَاحدَةً ، ذَاتَ شَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ وَمِنْهَاجٍ وَاحِدٍ ، يَسِيرُونَ عَلَيْهِ ، لَفَعَلَ ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَشَأْ ، لِيَخْتَبِرَهُمْ فِيمَا شَرَعَ لَهُمْ ، وَلِيُثِيبَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ ، وَيُعَاقِبَهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِ .

وَيَحُثُّ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ عَلَى المُبَادَرَةِ وَالإِسْرَاعِ إلَى طَاعَةِ اللهِ ، وَاتِّبَاعِ شَرْعِهِ الذِي جَعَلَهُ نَاسِخًا مَا قَبْلَهُ مِنَ الشَرَائِعِ ، وَيُخْبِرُهُمْ أنَّ إلَيهِ مَرْجِعَهُمْ وَمَصِيرَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ، فَيُخْبِرُهُمْ بِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ ، وَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت